عندما نفكر في السينما العالمية، غالباً ما تقفز هوليوود أو السينما الفرنسية إلى أذهاننا. لكن، هل جربت يوماً أن تغوص في أعماق السينما الإسبانية؟
إذا لم تفعل، فأنت تفوت الكثير! السينما الإسبانية تشبه طبق “الباييلا” الشهير: غنية، مليئة بالنكهات، معقدة، ولا تُنسى. إنها سينما لا تخشى العواطف الجياشة، وتتعامل مع مواضيع كالحب، الموت، السياسة، والدين بجرأة لا مثيل لها.
من عبقرية بيدرو ألمودوفار الملونة، إلى الخيال المظلم لغييرمو ديل تورو، مروراً بكلاسيكيات لويس بونويل السريالية، قدمت إسبانيا للعالم بعضاً من أقوى الروائع السينمائية. هذه الأفلام ليست مجرد ترفيه؛ إنها تجارب إنسانية عميقة تبقى معك طويلاً بعد انتهاء العرض.
في هذا المقال، سنقوم برحلة ممتعة، ونستعرض معاً أفضل 10 أفلام إسبانية على الإطلاق في عد تنازلي من 10 إلى 1. هل أنت مستعد لاكتشاف سحر الشاشة الإسبانية؟ لنبدأ!
10. Contratiempo (الضيف الخفي)

لنبدأ قائمتنا بفيلم سيجعل عقلك يدور في دوامات! فيلم “الضيف الخفي” (2016) للمخرج أوريول باولو هو مثال حديث ومثالي على براعة الإسبان في أفلام الإثارة والغموض. القصة تتبع رجل أعمال ناجح يُتهم بجريمة قتل عشيقته، ويحاول بالتعاون مع محاميته كشف الحقيقة خلال ليلة واحدة.
ما يميز هذا الفيلم هو التقلبات المدهشة (Plot Twists) التي لا تتوقف. كلما ظننت أنك فهمت القصة، يقلب الفيلم الطاولة عليك. إنه كأحجية متقنة الصنع، مثالي لسهرة تحتاج فيها إلى جرعة عالية من الأدرينالين والذكاء.
9. Celda 211 (الزنزانة 211)

هل تحب أفلام السجون؟ إذن، “الزنزانة 211” (2009) هو فيلم لا يمكنك تفويته. تدور القصة حول حارس سجن جديد يُدعى خوان، يبدأ يومه الأول في العمل. لسوء حظه، يندلع شغب عنيف في السجن في نفس اليوم، ويجد خوان نفسه محاصراً بالداخل. للبقاء على قيد الحياة، يضطر للتظاهر بأنه سجين جديد.
هذا الفيلم ليس مجرد أكشن؛ إنه دراسة نفسية عميقة للضغط، الولاء، والخط الفاصل بين الخير والشر. الأداء التمثيلي، خاصة من لويس توسار بدور “مالامادري” (الأم السيئة)، هو أداء أسطوري بكل معنى الكلمة.
8. El espinazo del diablo (العمود الفقري للشيطان)

قبل أن يبهر غييرمو ديل تورو العالم بـ “متاهة بان”، قدم لنا هذه التحفة القوطية في عام 2001. “العمود الفقري للشيطان” هو أكثر من مجرد فيلم أشباح؛ إنه قصة مؤثرة تدور أحداثها في دار أيتام معزولة خلال الحرب الأهلية الإسبانية.
الفيلم يمزج ببراعة بين الرعب الخارق للطبيعة ورعب الحرب الواقعي. إنه فيلم حزين، مخيف، وجميل بصرياً. يعتبره ديل تورو نفسه “شقيق” فيلمه “متاهة بان”، وهو يمهد الطريق ببراعة للتحفة التي ستأتي لاحقاً.
7. Mar adentro (البحر بداخله)

استعد لمشاهدة فيلم سيلمس أعماق روحك. “البحر بداخله” (2004)، من إخراج أليخاندرو آمينابار وبطولة خافيير بارديم، هو قصة حقيقية ومؤثرة لرامون سامبيدرو، الرجل الذي أصيب بالشلل الرباعي بعد حادث غوص، وقضى 28 عاماً يطالب بحقه في الموت الرحيم.
الفيلم ليس كئيباً كما قد يبدو؛ إنه احتفاء بالحياة، بالحب، وبالكرامة الإنسانية. أداء بارديم مذهل، والفيلم نجح في كسب جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وهو يستحقها عن جدارة.
6. Volver (عودة)

لا يمكن الحديث عن أفضل الأفلام الإسبانية دون ذكر “المعلم” بيدرو ألمودوفار. فيلم “عودة” (2006) هو عودة ألمودوفار لجذوره ومواضيعه المفضلة: النساء، الأسرة، والأسرار المدفونة. بينيلوبي كروز تقدم هنا أحد أروع أدوارها، حيث تلعب دور رايموندا، امرأة قوية من الطبقة العاملة تخفي سراً مظلماً بينما تحاول حماية ابنتها.
الفيلم يمزج الكوميديا، الدراما، وحتى لمسة من الواقعية السحرية (بظهور شبح والدتها!). إنه فيلم دافئ، مضحك، ومبكي في آن واحد.
5. El espíritu de la colmena (روح خلية النحل)

هذا الفيلم هو قطعة فنية خالصة. “روح خلية النحل” (1973) للمخرج فيكتور إريثيه، هو واحد من أكثر الأفلام الإسبانية تأثيراً وجمالاً. تدور أحداثه في قرية إسبانية صغيرة عام 1940، بعد الحرب الأهلية مباشرة. نرى العالم من خلال عيون الطفلة “آنا” التي تصبح مهووسة بفيلم “فرانكشتاين” وتعتقد أن الوحش حقيقي ومختبئ في الجوار.
الفيلم هو تأمل شاعري في البراءة، الخيال، والصدمة التي خلفتها الحرب. إنه ليس فيلماً سريع الإيقاع، بل هو لوحة سينمائية تحتاج منك للتأمل والاستمتاع بجمالها الهادئ.
4. Viridiana (فيريديانا)

ندخل الآن منطقة الكلاسيكيات الثقيلة. لويس بونويل هو الأب الروحي للسينما الإسبانية السريالية. فيلم “فيريديانا” (1961) هو تحفته الأهم والأكثر إثارة للجدل. القصة تتبع راهبة شابة على وشك أن ترسم نذورها، تزور عمها الثري المنعزل. ما يحدث بعد ذلك هو هجوم سريالي جريء على النفاق الديني والمجتمع البرجوازي.
الفيلم صادم، مضحك بشكل مظلم، ومليء بالرموز. فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، وتم منعه في إسبانيا لعقود! هذا يخبرك بكل ما تحتاج لمعرفته عن قوته.
3. Hable con ella (الحديث معها)

نعود مجدداً إلى ألمودوفار، وهذه المرة مع فيلم فاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي. “الحديث معها” (2002) هو قصة غير تقليدية عن الصداقة بين رجلين، بينيجو وماركو، اللذين يعتنيان بامرأتين تحبانهما وهما في غيبوبة.
يبدو الأمر غريباً، أليس كذلك؟ هذا هو سحر ألمودوفار. إنه يأخذ مواضيع صعبة ومعقدة أخلاقياً ويحولها إلى قصة إنسانية مؤثرة ومذهلة بصرياً. الفيلم يتحدث عن العزلة، عن الحاجة للتواصل، وعن الحب بأشكاله الغريبة. إنه فيلم يجعلك تفكر بعمق.
2. Todo sobre mi madre (كل شيء عن أمي)

هذا الفيلم هو، في رأيي، قلب بيدرو ألمودوفار على الشاشة. “كل شيء عن أمي” (1999) هو تحفة فنية حقيقية فازت بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي. بعد وفاة ابنها المراهق في حادث مأساوي، تسافر الممرضة مانويلا إلى برشلونة للبحث عن والد ابنها، وهو رجل متحول جنسياً.
في رحلتها، تلتقي بمجموعة من النساء المذهلات: ممثلة مسرحية، راهبة شابة، وعاهرة متحولة جنسياً. الفيلم هو احتفاء مؤثر بالأمومة، الصداقة النسائية، وقدرة النساء على التحمل وإعادة بناء الحياة من الحطام. إنه فيلم إنساني من الطراز الرفيع.
1. El laberinto del fauno (متاهة بان)

وها نحن نصل إلى القمة! “متاهة بان” (2006) للمخرج المكسيكي-الإسباني غييرمو ديل تورو ليس مجرد فيلم، بل هو تجربة سينمائية كاملة. تدور أحداث الفيلم في إسبانيا الفاشية عام 1944.
الفتاة الصغيرة أوفيليا، تهرب من قسوة زوج والدتها، النقيب سلفادور فيدال (أحد أفضل الأشرار في تاريخ السينما)، إلى عالم خيالي مليء بالمخلوقات السحرية والمخيفة.
لماذا هذا الفيلم هو رقم واحد؟ لأنه يجسد كل شيء رائع في السينما. إنه يمزج الخيال (الفانتازيا) المظلم مع الواقع المرير للحرب بشكل لم يسبق له مثيل. القصة مؤثرة، التصوير ساحر، والمخلوقات لا تُنسى (خاصة “الرجل الشاحب” المرعب).
“متاهة بان” هو حكاية خرافية للكبار، تذكرنا بأن الوحوش الحقيقية غالباً ما تكون بشرية، وأن الخيال يمكن أن يكون أقوى سلاح للمقاومة. إنه تحفة فنية خالدة واستحق بجدارة مكانه كأفضل فيلم إسباني على الإطلاق.
السينما الإسبانية.. عالم يستحق الاستكشاف
وهكذا انتهت رحلتنا عبر أفضل 10 أفلام إسبانية. من الإثارة العبقرية لـ “الضيف الخفي” إلى السحر المظلم لـ “متاهة بان”، تُظهر لنا هذه القائمة مدى تنوع وعمق السينما الإسبانية. هذه الأفلام ليست مجرد قصص تُروى، بل هي مشاعر تُعاش.
بالطبع، هذه القائمة هي مجرد بداية. هناك عشرات الأفلام الرائعة الأخرى التي تنتظرك. لذا، في المرة القادمة التي تبحث فيها عن فيلم لمشاهدته، لماذا لا تمنح السينما الإسبانية فرصة؟ أضمن لك أنك لن تندم.
الآن، أخبرني، ما هو فيلمك الإسباني المفضل؟ وهل هناك فيلم تعتقد أنه كان يجب أن يكون في هذه القائمة؟




