إذا كنت من عشاق السينما العربية، فستلاحظ أن للأفلام الجزائرية القديمة نكهة خاصّة.
هي ليست مجرّد حكايات على الشاشة، بل ذاكرة حيّة للاستعمار، والمقاومة، والشارع الشعبي، والضحكة البسيطة وسط كل هذا التعب.
في هذا المقال سنأخذك في رحلة عبر أفضل 5 أفلام جزائرية قديمة، أعمال تحوّلت إلى أيقونات لا تُنسى، وتركت بصمتها في قلوب الجزائريين والعرب، بل وحتى في المهرجانات العالمية.
5. “عطلة المفتش الطاهر” (1972)

عطلة المفتش الطاهر – Les Vacances de l’inspecteur Tahar من الأفلام التي لا يمكن أن تتحدّث عن السينما الجزائرية القديمة بدون ذكرها. الفيلم أُنتج سنة 1972، وأخرجه موسى حداد، ويُعتبر واحدًا من أشهر الأعمال الكوميدية في الجزائر، ويجمع الثنائي الأسطوري: المفتش طاهر وتلميذه “الطالب”.
ملخص القصة
الفيلم يمزج بين الكوميديا والتحقيق البوليسي.
يسافر المفتش طاهر وتلميذه في “عطلة” يفترض أن تكون مريحة، لكن سرعان ما تتحول العطلة إلى مغامرة مليئة بالألغاز والجرائم التي يجب حلّها.
روح الفيلم بسيطة، لكن ذكاءه يكمن في تصوير المجتمع والعلاقات بشكل ساخر ولطيف.
لماذا يُعدّ من الكلاسيكيات؟
- شخصية المفتش طاهر تحوّلت إلى رمز شعبي
- حوار خفيف ومواقف مضحكة بدون مبالغة
- تصوير جميل لروح الجزائري البسيط الذي يمزج الجدّ بالنكتة
هذا الفيلم هو الوجه المبتسم في هذه القائمة المليئة بتاريخ الثورة والوجع.
4. “عمر قتلتو الرجلة – Omar Gatlato” (1976)

فيلم “عمر قتلتو الرجلة” – Omar Gatlato من إخراج مرزاق علواش، أُنتج سنة 1976، ويُعدّ محطة مهمّة في السينما الجزائرية لأنه قدّم صورة جديدة عن الشاب الجزائري بعد الاستقلال، بعيدًا عن صورة الفدائي والمجاهد، وقريبًا من الشاب الذي يعيش تناقضات الحياة اليومية.
ملخص القصة
عمر موظف بسيط، يعيش مع عائلته في شقة ضيقة، يحب الموسيقى، الأصدقاء، والحياة.
في يوم ما يسمع صوت فتاة في شريط كاسيت، فيقع في حب صوتها قبل أن يراها.
يحاول أن يتقرّب منها، يحدّد موعدًا للقائها، لكن حين تأتي اللحظة الحاسمة، يتردّد ولا يملك الشجاعة للاقتراب.
لماذا هذا الفيلم مهم؟
- يرصد “الرجولة” والمظاهر الذكورية في المجتمع بطريقة ناقدة وذكية
- يعتمد على أجواء حيّة من شوارع الجزائر، وحوارات قريبة من الناس
- يُعتبر من أوائل الأفلام التي كسرت الصورة النمطية للشخصية الجزائرية في السينما
إذا أردت أن تشاهد فيلمًا يحكي عن “الجيل الذي جاء بعد البندقية”، فابدأ من هنا.
3. “ريح الأوراس – The Winds of the Aures” (1966)

فيلم “ريح الأوراس – Rih al awras / The Winds of the Aures” من إخراج محمد لخضر حمينة، ويُعتبر من أوائل الأفلام التي تناولت معاناة العائلات الجزائرية خلال حرب التحرير بزاوية إنسانية مؤثرة. الفيلم شارك في مهرجان كان سنة 1967، وحصل على جائزة أفضل عمل أول، ما منحه مكانة خاصة في تاريخ السينما العالمية.
ملخص القصة
نرافق في الفيلم أمًّا بسيطة من منطقة الأوراس، تُفجع بمقتل زوجها في قصف فرنسي، ثم يُعتقل ابنها الوحيد.
تبدأ رحلة الأم بين القرى والسجون والمعسكرات بحثًا عن ابنها، في طريق مليء بالحرمان، والخوف، والانتظار.
لماذا هذا الفيلم لا يُنسى؟
- يجسّد الألم بصمت، بدون خطاب مباشر أو شعارات
- أداء استثنائي للممثلة كـلتوم في دور الأم الصامدة
- يظهر كيف دفعت العائلات ثمن الاستعمار من أعصابها ودموعها قبل دمائها
“ريح الأوراس” فيلم تشعر بعده أن الحرب ليست أرقامًا وتواريخ فقط، بل قصص أمهات وآباء وأبناء.
2. “وقائع سنين الجمر – Chronicle of the Years of Fire” (1975)

فيلم “وقائع سنين الجمر – وقائع سنين الجمر / Chronicle of the Years of Fire” من إخراج محمد لخضر حمينة، أُنتج عام 1975، ويُعدّ من أضخم الإنتاجات في تاريخ السينما الجزائرية. حصد السعفة الذهبية في مهرجان كان، ليكون أول فيلم من أفريقيا والعالم العربي ينال هذه الجائزة المرموقة.
ملخص القصة
يحكي الفيلم تطوّر الوعي السياسي لدى فلاح جزائري، يُجبره الفقر والجفاف على ترك قريته، ثم يمرّ بتجارب عديدة حتى يجد نفسه في قلب الحركة الوطنية التي قادت إلى ثورة نوفمبر.
ما الذي يميّزه؟
- ملحمة سينمائية حقيقية، تمتدّ عبر سنوات من القهر والمقاومة
- تصوير بصري قوي يدمج بين القرية، المدينة، الجبهة، والسجن
- يقدّم الثورة ليس كـ “لحظة منفجرة فجأة”، بل كمسار طويل من التراكمات والغضب الشعبي
إذا أردت أن ترى الثورة من عين السينما، فهذا الفيلم مرجع أساسي.
1. “معركة الجزائر – The Battle of Algiers” (1966)

في القمة يأتي فيلم “معركة الجزائر – La Bataille d’Alger / The Battle of Algiers” (1966)، إنتاج مشترك جزائري–إيطالي من إخراج جيلو بونتيكورفو. يُنظر إليه عالميًا كأحد أعظم أفلام الحرب والثورة، وصار مرجعًا في دراسة حروب المدن وحركات التحرر.
ملخص القصة
يروي الفيلم، بأسلوب قريب من الأفلام الوثائقية، أحداث جزء من حرب التحرير في العاصمة الجزائر بين 1954 و1957، من خلال شخصية المناضل علي لابوانت والقائد الفرنسي ماتيو، وصراع الشوارع بين جبهة التحرير والجيش الفرنسي.
لماذا يحتل المركز الأول؟
- تصوير واقعي جدًّا، بكاميرا تهتز وسط الأزقة والمظاهرات والانفجارات
- استخدام ممثلين من غير المحترفين عاشوا بعض تلك الفترة فعليًا
- توازن نادر بين التوثيق السينمائي والدراما الإنسانية
- تأثيره وصل إلى صُنّاع أفلام وحركات سياسية حول العالم، وما زال يُدرَّس حتى اليوم
“معركة الجزائر” ليس فيلمًا تشاهده فقط، بل تجربة تهزّك من الداخل.
نهاية المقال
حين تنتهي من مشاهدة هذه القائمة من أفضل 5 أفلام جزائرية قديمة ستكتشف أنك لم تشاهد مجرد أفلام، بل قرأت فصولًا من تاريخ شعب كامل:
- أمّ تبحث عن ابنها بين السجون
- شاب تائه بين الرجولة الزائفة والحب الخجول
- مفتش طيّب يطارد الجريمة بابتسامة
- فلاح بسيط يتحوّل إلى رمز للوعي السياسي
- مدينة بأكملها تقف في وجه الاستعمار
هذه الكلاسيكيات بقيت حيّة لأنها صادقة، وواقعية، وقريبة من الناس.
وكلما تغيّر الزمن، يعود المشاهدون إليها ليطرحوا نفس السؤال:
كيف استطاعت السينما الجزائرية القديمة أن تجمع بين الثورة، والإنسان، والضحكة، في شريط واحد؟
هذه القائمة نقطة بداية فقط… أمّا أنت، فربما تشاهد فيلمًا من هذه الأفلام وتضيفه إلى قائمة “أفلام حياتك” التي لا تُنسى.




