السينما التونسية ليست مجرد شاشة عرض للترفيه؛ إنها، ومنذ بداياتها، “مشاغبة” بامتياز. لم تكتفِ بتصوير الواقع، بل كانت دائمًا تضع إصبعها في عين الأزمات، سواء كانت سياسية، دينية، أو جنسية. هذا العناد الفني جعل مقص الرقيب في حالة استنفار دائم، وحوّل صالات العرض أحياناً إلى ساحات معارك فكرية.
بين قرارات المنع الحكومية الصارمة، وبين الغضب الشعبي الذي طالب بوقف العروض، نأخذك اليوم في رحلة عبر الزمن لنتعرف على 15 فيلمًا تونسيًا كسروا التابوهات ودفعوا الثمن غالياً.
لنبدأ العد التنازلي للأكثر إثارة للجدل!
15. دشرة (Dachra) – 2018

نبدأ قائمتنا بفيلم حديث نسبياً، لكنه أحدث ضجة غير مسبوقة. دشرة للمخرج عبد الحميد بوشناق لم يُمنع سياسياً، لكنه واجه مطالبات واسعة بالمنع وتحديد السن، نظراً لكونه أول فيلم رعب تونسي حقيقي يتناول “السحر والشعوذة” وأكل لحوم البشر.
مشاهد الدماء وطقوس الذبح جعلت الكثيرين يغادرون قاعات العرض، وأثارت نقاشاً حاداً حول حدود العنف المسموح به في السينما التونسية، ومع ذلك، حقق الفيلم إيرادات قياسية بفضل هذا الجدل.
نرشح: أفضل 10 أفلام تونسية على الإطلاق
14. زهرة حلب (Fleur d’Alep) – 2016

عندما تعود النجمة هند صبري للسينما التونسية، فالحدث كبير. لكن زهرة حلب للمخرج رضا الباهي لم يمر بسلام. تناول الفيلم لقضية “جهاد النكاح” وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر في سوريا لم يعجب الكثيرين.
الفيلم تعرض لهجوم شرس من تيارات سياسية ودينية اعتبرته تشويهاً للثورة أو مبالغة في طرح قضية حساسة، مما جعله حديث الساعة في البرامج التلفزيونية لأشهر طويلة.
13. نحبك هادي (Hedi) – 2016

على الرغم من فوزه بجائزتين في مهرجان برلين، واجه نحبك هادي للمخرج محمد بن عطية انتقادات لاذعة محلياً. الفيلم هادئ جداً، لكنه “مستفز” في طرحه للعلاقات خارج إطار الزواج والتمرد على التقاليد العائلية الصارمة.
المشاهد الحميمية الجريئة والواقعية المفرطة جعلت العائلات المحافظة تشن حملة انتقاد ضد الفيلم، معتبرين أنه يروج لقيم لا تشبه المجتمع التونسي، رغم إشادة النقاد العالمية به.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية كوميدية لا تُفوت
12. جسد غريب (Corps Étranger) – 2016

المخرجة رجاء عماري معروفة بجرأتها، وفيلمها جسد غريب لم يشذ عن القاعدة. يتناول الفيلم قصة مهاجرة غير شرعية وتداخل العلاقات المعقدة في فرنسا.
الجدل هنا كان “أخلاقياً” بامتياز، حيث تضمن الفيلم مشاهد عُري وجرأة في الطرح اعتبرها البعض مجانية، بينما دافع عنها آخرون كضرورة فنية. الرقابة لم تمنعه رسمياً، لكن “الرقابة الذاتية” لقاعات العرض والجمهور جعلت عرضه محدوداً ومحاطاً بالهمس.
11. لاتموت (Making Of) – 2006

نعود قليلاً إلى زمن ما قبل الثورة مع المخرج الكبير نوري بوزيد وفيلمه Making Of. الفيلم يغوص في عقلية شاب يتحول تدريجياً نحو التطرف الديني.
في عام 2006، كان الحديث عن “الإرهاب” و”غسيل الدماغ” موضوعاً شائكاً جداً ومرعباً للنظام السياسي آنذاك. الفيلم واجه صعوبات في التوزيع والتمويل، وتم التعامل معه بحذر شديد أمنياً، لأنه كشف العوامل الاجتماعية والنفسية التي تصنع “الانتحاريين” في وقت كان النظام ينكر فيه وجود هذه الظواهر بعمق.
نرشح: أفضل 10 أفلام جزائرية على الإطلاق
10. صمت القصور (Les Silences du Palais) – 1994

رائعة المخرجة مفيدة التلاتلي، صمت القصور، هو أكثر من مجرد فيلم، هو وثيقة تاريخية. ظاهرياً، يتحدث عن الخادمات في قصور البايات، لكن باطنيا، كان يحمل نقداً لاذعاً للسلطة الذكورية والسياسية والاستغلال الجنسي.
الفيلم أثار جدلاً واسعاً عند عرضه بسبب كشفه “المسكوت عنه” في تاريخ تونس، وتصويره لنساء يعشن في عبودية مقنعة. ورغم الاحتفاء العالمي به، إلا أنه ظل في تونس فيلماً “نخبوياً” ومقلقاً للذاكرة الجماعية لسنوات.
9. عصفور سطح (Halfaouine) – 1990

لا يمكن الحديث عن السينما التونسية دون ذكر عصفور سطح لفريد بوغدير. هذا الفيلم هو الأشهر، والأكثر إثارة للجدل في وقته.
مشاهد حمام النساء، والطفل الذي يكتشف جسد المرأة، والعُري الصريح، جعلت الفيلم قنبلة موقوتة في التسعينيات. طالب المحافظون بمنعه، وهوجم المخرج بشدة، لكن الطوابير أمام قاعات السينما كانت لا تنتهي. لقد كسر هذا الفيلم حاجز “الحشمة” السينمائية بشكل لا رجعة فيه.
نرشح: أفضل 10 أفلام مغربية على الإطلاق
8. العلمانية إن شاء الله (Laïcité Inch’Allah) – 2011

هنا ننتقل من المنع الرسمي إلى “المنع الشعبي العنيف”. الفيلم الوثائقي العلمانية إن شاء الله للمخرجة نادية الفاني عُرض في فترة حساسة جداً بعد الثورة مباشرة.
بسبب عنوانه ومضمونه الذي ينتقد النفاق الديني ويدعو للعلمانية، تعرضت قاعات السينما للهجوم من قبل متشددين، وتلقت المخرجة تهديدات جدية بالقتل. تغير اسم الفيلم لاحقاً، لكنه ظل علامة فارقة في صراع حرية التعبير ضد التشدد في تونس ما بعد 2011.
7. بزناس (Bezness) – 1992

مرة أخرى مع نوري بوزيد، والفيلم الذي صفع وجه “السياحة الرخيصة”. بزناس يتناول ظاهرة استغلال الشباب التونسي للسياح الأجانب جنسياً ومادياً.
السلطات في عهد بن علي لم تكن مرتاحة أبداً لهذا الفيلم لأنه يضرب “صورة تونس السياحية الجميلة”. واجه الفيلم تضييقات كبيرة، واتُهم بتشويه سمعة البلاد، لكنه فرض نفسه كواحد من أجرأ الأفلام التي ناقشت التناقض بين القيم الشرقية والرغبة في المال الغربي.
نرشح: 10 أفلام مصرية ممنوعة من العرض
6. بنت فاميليا (Bent Familia) – 1997

فيلم آخر لنوري بوزيد أثار زوبعة اجتماعية. بنت فاميليا وضع المجتمع التونسي أمام مرآة لا يود النظر فيها: نساء متعلمات ومتحررات ظاهرياً، لكنهن مقيدات بواقع ذكوري خانق.
الجدل هنا لم يكن سياسياً بقدر ما كان اجتماعياً؛ فالفيلم تحدى مؤسسة الزواج التقليدية وتحدث عن الخيانة والهروب والرغبة في التحرر بطريقة اعتبرها الكثيرون “صادمة” وتهدد استقرار الأسرة التونسية.
5. السجّانة (El Jaida) – 2017

سلمى بكار عادت لتنبش في التاريخ بفيلم الجايدة. الفيلم يتحدث عن “دار جواد”، السجن الذي كانت توضع فيه النساء “الناشزات” بأمر من القاضي الشرعي قبل الاستقلال.
الفيلم أثار غضب تيارات محافظة رأت فيه تشويهاً للتاريخ الإسلامي والقضاء الشرعي في تونس، بينما رآه آخرون كشفاً ضرورياً لمعاناة المرأة التونسية. النقاشات حول الفيلم تحولت إلى معارك على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض.
نرشح: أفضل 10 أفلام أكشن عربية تُشعل الحماس
4. ريح السد (L’Homme de Cendres) – 1986

نصل الآن إلى واحد من أثقل العيارات في تاريخ السينما العربية. ريح السد لنوري بوزيد هو الفيلم الذي تجرأ على طرح “المثلية الجنسية” و”الاعتداء الجنسي على الأطفال” في وقت كانت هذه الكلمات محرمة النطق.
الفيلم عُرض في مهرجان قرطاج وأحدث صدمة زلزالية. صفق الجمهور وبكى، بينما هاجمه النقاد المحافظون بضراوة. لقد كان هذا الفيلم إعلاناً بأن السينما التونسية لن تهادن ولن تخفي القذارة تحت السجادة.
3. شمس الضباع (Soleil des Hyènes) – 1977

في السبعينيات، كانت الدولة تروج لتونس كجنة للسياح. ثم جاء رضا الباهي بفيلمه شمس الضباع.
الفيلم صور كيف تحولت قرية صيادين صغيرة إلى منتجع سياحي، وكيف دمرت “العملة الصعبة” أخلاق وحياة السكان المحليين. النتيجة؟ مُنع الفيلم من العرض في تونس لسنوات طويلة بتهمة “الإساءة للمصلحة الوطنية” وتخويف المستثمرين، ولم يفرج عنه إلا بعد أن نال شهرة عالمية.
نرشح: أفضل 10 أفلام فرنسية على الإطلاق
2. سجنان (Sejnane) – 1973

فيلم للمخرج عبد اللطيف بن عمار، وهو وثيقة سينمائية نادرة عن الصراع الطبقي والنقابي في الخمسينيات.
لماذا أثار الجدل؟ لأنه لم يمجد “الحركة الوطنية” بالشكل الرسمي المعتاد، بل ركز على الخيانات والصراعات الداخلية ودور اليسار والعمال. الرقابة البورقيبية لم تكن ترحم أي رواية تخالف الرواية الرسمية للاستقلال، فتعرض الفيلم لعمليات قص وتضييق جعلت مشاهدته بنسخته الكاملة حلماً لسنوات.
1. فاطمة 75 (Fatma 75) – 1975

وصلنا إلى قمة القائمة، وإلى “صاحب الرقم القياسي” في المنع. فاطمة 75 للمخرجة سلمى بكار هو أول فيلم روائي طويل تخرجه امرأة تونسية، وهو عبارة عن رحلة نضالية للمرأة التونسية عبر العصور.
لكن، لماذا مُنع؟ لأن الفيلم تجرأ على نقد “مجلة الأحوال الشخصية” (فخر نظام بورقيبة) واعتبرها غير كافية، وتضمن مشاهد تعليم جنسي جريئة جداً لزمن السبعينيات.
صدر قرار بمنع الفيلم فوراً، وظل ممنوعاً من العرض الجماهيري والتلفزيوني لمدة 30 عاماً وكأنه معتقل سياسي! لم يشاهده الجمهور التونسي بحرية إلا بعد سنوات طويلة، ليصبح أيقونة لسينما المقاومة والنسوية.
نرشح: قائمة بأفضل 50 فيلمًا على الإطلاق
ختامًا
تاريخ السينما التونسية هو تاريخ من “المشاكسة”. هذه الأفلام الـ 15، سواء مُنعت بقرار حكومي أو حوصرت بضغط مجتمعي، أثبتت حقيقة واحدة: كلما زاد المنع، زاد الفضول. واليوم، نعود لمشاهدتها ليس فقط كأعمال فنية، بل كشهادات حية على معارك الحرية التي خاضها المبدعون التونسيون.
هل شاهدت أحد هذه الأفلام؟ وهل تعتقد أنها كانت تستحق كل هذا الجدل؟




