عندما نتحدث عن السينما المغربية، فإننا لا نتحدث فقط عن صور متحركة وشريط صوتي، بل نفتح ألبوماً قديماً يعبق برائحة “الزمن الجميل”. تلك الأفلام التي جمعت العائلات حول التلفاز، والتي نقلت هموم “الدرب” وأحلام البسطاء، ورسمت الضحكة والدمعة بصدق عفوي لم يتكرر.
في هذا المقال، ننفض الغبار عن أشرطة الفيديو القديمة، ونعود بالزمن إلى الوراء لنستعرض 15 تحفة سينمائية مغربية حُفرت في الذاكرة، مرتبة تنازلياً لزيادة التشويق.
15. الحال (Trances) – 1981

نبدأ قائمتنا بفيلم ليس كباقي الأفلام، إنه وثيقة موسيقية بصرية هزت العالم. الحال للمخرج أحمد المعنوني ليس مجرد فيلم عن فرقة “ناس الغيوان” الأسطورية، بل هو غوص عميق في الروح المغربية المتمردة موسيقياً.
يأخذنا الفيلم في رحلة بين الحفلات الصاخبة والنقاشات الحميمية لأعضاء الفرقة، ليصور كيف تحولت الموسيقى إلى لسان حال جيل كامل. يكفي أن تعلم أن المخرج العالمي “مارتن سكورسيزي” يعتبره أحد أفلامه المفضلة وقام بترميمه بنفسه، لتدرك قيمة هذه الجوهرة الفنية.
نرشح: أفضل 10 أفلام مغربية على الإطلاق
14. بامو (Bamou) – 1983

من قلب التاريخ والمقاومة، يأتي فيلم بامو للمخرج إدريس المريني ليحكي قصة حب وسط نيران الاستعمار. تدور الأحداث في منطقة زيان الشامخة، حيث تتشابك قصة حب “بامو” و”باسو” مع ملحمة الكفاح ضد المستعمر الفرنسي.
الفيلم يتميز بطابعه الملحمي الذي يمزج بين الرومانسية القاسية والوطنية الصادقة، ويعتبر من أوائل الأفلام التي وثقت للذاكرة التاريخية المغربية بشكل درامي مؤثر يجعل المشاهد يعيش توتر تلك الحقبة.
13. حلاق درب الفقراء – 1982

الراحل محمد الركاب أهدى السينما المغربية تحفة اجتماعية بعنوان حلاق درب الفقراء. القصة بسيطة لكنها عميقة جداً؛ تدور حول “الميلودي”، الحلاق الذي يمثل مركز الحي الشعبي، والذي يقرر بشكل مفاجئ أن يثور ضد واقعه وضد تهميش السلطة له ولأبناء حيه.
الفيلم يصور الدرب البيضاوي القديم بواقعية مذهلة، وينقل لنا بأسلوب كوميدي أسود كيف يمكن لليأس أن يولد الانفجار، وكيف تتحول الشخصيات البسيطة إلى رموز للمقاومة الاجتماعية.
نرشح: 10 أفلام مغربية كوميدية لا تفوّت… جرعة مضمونة من الضحك
12. باديس – 1989

في أقصى الشمال، وتحت ظلال قلعة باديس التاريخية، نسج المخرج محمد عبد الرحمن التازي خيوط فيلم باديس. الفيلم يحكي قصة مدرس يُنقل إلى قرية نائية ومعزولة، ليصطدم بتقاليد صارمة وقصص حب ممنوعة خلف الأسوار.
يتميز الفيلم بجماليات الصورة التي تعكس قسوة الطبيعة وقسوة البشر في آن واحد، ويعتبر دراسة اجتماعية لنفاق المجتمع وسلطة التقاليد التي تخنق الأنفاس، كل ذلك في إطار بصري ساحر.
11. كيد النساء – 1999

لا يمكن الحديث عن السينما المغربية دون ذكر المخرجة فريدة بنليزيد وفيلمها الملون كيد النساء. هذا الفيلم هو أشبه بحدوتة مغربية قديمة تُحكى للجدات، مليئة بالألوان والقفطان المغربي والديكور الأندلسي.
القصة تدور حول “للا عائشة” التي تدخل في صراع دهاء ومكر مع ابن السلطان، لتثبت أن ذكاء المرأة قد يفوق جبروت الرجال. فيلم خفيف الظل، يحتفي بالتراث المغربي الشعبي ويقدم وجبة بصرية ممتعة للعين والقلب.
نرشح: أفضل 10 مسلسلات مغربية على الإطلاق
10. مكتوب – 1997

مع نبيل عيوش، دخلت السينما المغربية مرحلة جديدة من الجرأة والحداثة عبر فيلم مكتوب. القصة مستوحاة من واقعة حقيقية، وتدور حول طبيب وزوجته يعيشان حياة هادئة حتى يتم اختطاف الزوجة، لتتكشف أسرار ماضية مدفونة.
الفيلم يجمع بين الإثارة (Thriller) والدراما الاجتماعية، وقدم الممثلة القديرة أمل عيوش والراحل رشيد الوالي في أدوار لا تُنسى. “مكتوب” كان علامة فارقة كسرت نمطية السرد التقليدي في التسعينيات.
9. نساء… ونساء – 1997

في نفس العام، قدم سعد الشرايبي فيلماً نسائياً بامتياز. نساء… ونساء يغوص في حياة أربع صديقات يواجهن تحديات مجتمعية مختلفة: العنف الزوجي، الطلاق، والبحث عن الذات في مجتمع ذكوري.
بأسلوب ناعم ولكنه قوي، استطاع الفيلم أن يعري المسكوت عنه داخل البيوت المغربية، وقدم الممثلة منى فتو وإلهام واعزيز في أداء تمثيلي صادق جعل الفيلم مرجعاً في سينما المرأة بالمغرب.
نرشح: أفضل 10 أفلام جزائرية على الإطلاق
8. وداعاً أمهات (Adieu Mères) – 2008

النوستالجيا في أبهى صورها تتجلى في فيلم وداعاً أمهات لمحمد إسماعيل. يعود بنا الفيلم إلى ستينيات القرن الماضي، ليحكي قصة التعايش الجميل والتمزق المؤلم بين العائلات اليهودية والمسلمة في المغرب تزامنًا مع هجرة اليهود.
قصة الصداقة بين العائلتين، ودموع الوداع، والمصير المجهول، كلها رُسمت بحس إنساني مرهف. إنه فيلم يمس شغاف القلب ويذكرنا بمغرب التسامح الذي كان ولا يزال جزءاً من الهوية.
7. أموك (Amok) – 1982

المخرج سهيل بنبركة أخذ السينما المغربية إلى العالمية وإلى عمق القارة الأفريقية بفيلمه الملحمي أموك. الفيلم يتناول قضية الميز العنصري (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا من خلال رحلة قروي بسيط يبحث عن شقيقه في المدينة الكبيرة.
الفيلم قوي جداً، عنيف في تصويره للظلم، وصادم في رسالته الإنسانية. حصل على جوائز دولية واعتُبر صرخة سينمائية ضد العنصرية، مما يجعله واحداً من أهم الإنتاجات في تاريخ السينما الأفريقية ككل.
نرشح: أفضل 10 أفلام تونسية على الإطلاق
6. الأيام، الأيام – 1978

نعود لأحمد المعنوني مرة أخرى في تحفة الأيام، الأيام. هذا الفيلم ليس مجرد دراما، بل هو توثيق شعري لحياة الفلاح المغربي وحلمه الأزلي بالهجرة إلى “الخارج”.
بأسلوب يقترب من الوثائقي، نتابع يأس الشباب في القرى ورغبتهم في تغيير واقعهم. الفيلم يتميز بصمت بليغ وصور تتحدث أكثر من الحوارات، ليكون مرآة عاكسة لمعاناة البادية المغربية في السبعينيات.
5. وشمة (Wechma) – 1970

يعتبره النقاد “فيلم البداية” الحقيقي للسينما المغربية الحديثة. وشمة للمخرج حميد بناني هو عمل فني تجريبي وسيكولوجي عميق. يحكي قصة طفل متبنى يواجه قسوة الأب بالتبني، مما يدفعه للتمرد والجنوح.
الفيلم مليء بالرموز والدلالات النفسية، واستخدم لغة سينمائية متطورة جداً بالنسبة لزمنه. إنه الفيلم الذي قال للعالم: “هنا سينما مغربية مختلفة ومفكرة”، ولا يزال يُدرس في المعاهد السينمائية حتى اليوم.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية كوميدية لا تُفوت
4. عبدو عند الموحدين – 2006

من منا لا يذكر سعيد الناصري في أوج عطائه؟ عبدو عند الموحدين هو أكثر من مجرد فيلم كوميدي، إنه ظاهرة شباك تذاكر. فكرة الفيلم العبقرية تعتمد على الخيال العلمي حيث يعود الشاب “عبدو” بالزمن إلى عصر الدولة الموحدية.
المواقف المضحكة الناتجة عن تلاقي عقلية شاب بيضاوي “مراوِغ” مع شخصيات تاريخية صارمة جعلت الجمهور يضحك من القلب. الفيلم يجمع بين الترفيه ورسائل وطنية خفيفة، ويظل واحداً من أكثر الأفلام شعبية وتكراراً على شاشات التلفزيون.
3. البحث عن زوج امرأتي – 1993

وصلنا إلى الثلاثة الكبار. في المرتبة الثالثة تأتي الكوميديا الأيقونية البحث عن زوج امرأتي للمخرج محمد عبد الرحمن التازي. الفيلم الذي خلد عبارة “لالة حبي” وجعلنا نعشق أداء الراحل البشير السكيرج.
القصة تدور حول الحاج بنموسى، المزواج الغيور، الذي يطلق زوجته الشابة للمرة الثالثة، فيقع في ورطة البحث عن “محلل” ليعيدها. تدور الأحداث في المدينة العتيقة بفاس، مقدمةً لوحة فنية مليئة بالضحك والمواقف العبثية، مع نقد اجتماعي ذكي لظاهرة تعدد الزوجات.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية خالدة لا يجب أن تفوّتها
2. كازابلانكا باي نايت (Casablanca by Night) – 2003

هذا الفيلم كان بمثابة صفعة ناعمة على وجه المجتمع. كازابلانكا باي نايت للمخرج مصطفى الدرقاوي يرينا الوجه الآخر للدار البيضاء، الوجه الذي لا ينام ولا يرحم.
من خلال عيون الطفلة “كلثوم” التي تبحث عن أخيها المريض، نغوص في عالم الليل، الكباريهات، والفساد، والضياع. الفيلم جريء، واقعي، ومؤلم، وقدم صورة بانورامية لمجتمع يعيش تناقضات صارخة. إنه فيلم لا يُشاهد فقط، بل يُعاش بكل تفاصيله القاسية.
1. علي زاوا (Ali Zaoua) – 2000

في الصدارة، وبدون منازع، يتربع الأمير الصغير علي زاوا. تحفة نبيل عيوش التي أبكت الملايين وغيرت نظرة المجتمع لأطفال الشوارع. القصة ليست مجرد دراما، بل هي ملحمة إنسانية لأطفال يحلمون بأن يصبحوا بحارة، ويحلمون بجزيرة الشمس.
الأداء العفوي للأطفال، الموسيقى التصويرية الخالدة، والمشاهد التي تمزج بين القسوة المفرطة والخيال الحالم، جعلت من هذا الفيلم أيقونة السينما المغربية الأولى. “علي زاوا” ليس فيلماً قديماً فحسب، بل هو درس في الإنسانية وصوت لمن لا صوت لهم، ولذلك استحق بجدارة المركز الأول في قائمتنا.
نرشح: أفضل 10 أفلام مصرية على الإطلاق
نهاية المقال
كانت هذه جولة سريعة في أرشيف السينما المغربية الذهبي. هذه الأفلام الـ 15 ليست مجرد أعمال فنية انتهت بظهور شارة النهاية، بل هي جزء من هويتنا وذاكرتنا الجماعية. إن كنت قد شاهدتها، فلاشك أنك استرجعت الآن شريطاً من الذكريات الجميلة، وإن فاتك بعضها، فأنصحك بشدة بالبحث عنها ومشاهدتها، لأن الفن الأصيل لا يموت بالتقادم.
هل هناك فيلم آخر تعتقد أنه يستحق التواجد في هذه القائمة وسقط سهواً؟ شاركنا رأيك!




