السينما ليست مجرد شاشة تعرض صورًا متحركة، بل هي مرآة تعكس واقع المجتمع، وأحيانًا تكون هذه المرآة شديدة الوضوح والنقاء لدرجة تجرح من ينظر فيها. عبر تاريخ السينما المصرية الطويل، وقف “مقص الرقيب” بالمرصاد للعديد من الأعمال، تارة لأسباب سياسية، وتارة لدواعي أخلاقية أو دينية.
في هذا المقال، لن نسرد تواريخ جافة، بل سنغوص في الكواليس لنستعرض 10 أفلام واجهت المنع والمصادرة، ونحكي لك القصة الحقيقية وراء كل مشهد محذوف.
10. حلاوة روح (2014)

نبدأ قائمتنا التنازلية بفيلم حديث نسبيًا، لكنه أحدث ضجة هائلة وقت عرضه. الفيلم الذي قامت ببطولته النجمة هيفاء وهبي، لم يواجه المنع بسبب مشهد واحد، بل بسبب “الحالة العامة” للفيلم.
قصة الفيلم التي تدور حول سيدة جميلة تعيش في حي شعبي وتصبح مطمعًا للرجال، رآها البعض خادشة للحياء العام ومحرضة على الغرائز بشكل فج. الغريب في قصة هذا الفيلم أن قرار منعه وسحبه من دور العرض جاء بأمر مباشر من رئيس الوزراء آنذاك، وهو تدخل حكومي نادر الحدوث في الأعمال الفنية، مما جعله قضية رأي عام تجاوزت حدود النقد الفني إلى ساحات المحاكم حتى عاد للعرض مرة أخرى بحكم قضائي.
نرشح: أفضل 10 أفلام مصرية على الإطلاق
9. خمسة باب (1983)

تخيل فيلمًا يجمع عمالقة الشباك: عادل إمام ونادية الجندي، ثم يصدر قرار بمنعه! هذا ما حدث بالضبط مع فيلم خمسة باب. الفيلم الذي استلهم قصته من الفيلم الأجنبي الشهير “إيرما لا دوس”، تدور أحداثه في الأربعينيات داخل حي البغاء الرسمي القديم.
رغم أن الفيلم حقق إيرادات خيالية في أسبوعه الأول، إلا أن وزير الثقافة وقتها أصدر قرارًا برفعه من السينمات بدعوى أنه “مخل بالآداب العامة”. الطريف في الأمر أن الفيلم ظل حبيس الأدراج لسنوات طويلة، واليوم يُعرض على القنوات الفضائية بشكل طبيعي، مما يطرح تساؤلاً دائمًا حول تغير معايير الرقابة عبر الزمن.
8. درب الهوى (1983)

في نفس العام الذي مُنع فيه الفيلم السابق، واجه فيلم درب الهوى للمخرج حسام الدين مصطفى مصيرًا مشابهًا وربما أقسى. الفيلم اقتحم منطقة شائكة جدًا في تاريخ مصر الاجتماعي، وهي فترة تقنين الدعارة وإصدار التراخيص لها في النصف الأول من القرن العشرين.
الفيلم تميز بجرأة شديدة في الحوار والمشاهد، وصور شخصيات معقدة نفسيًا تعيش في هذا المستنقع. اعتبرت الرقابة أن الفيلم “يسىء لسمعة مصر” من خلال تسليط الضوء على هذه الحقبة المظلمة، وتم منعه لفترة طويلة قبل أن يفرج عنه ليصبح وثيقة سينمائية نادرة عن زمن ولى.
نرشح: أفضل 30 فيلم كوميدي مصري يجب مشاهدته لمحبي الضحك
7. المذنبون (1975)

هنا نحن أمام حالة فريدة من نوعها. فيلم المذنبون للكاتب نجيب محفوظ والمخرج سعيد مرزوق لم يتسبب فقط في ضجة، بل أدى إلى محاكمة موظفي الرقابة الذين سمحوا بعرضه!
الفيلم يستخدم جريمة قتل لممثلة مشهورة كخيط رفيع لكشف فساد طبقات مختلفة من المجتمع؛ ناظر المدرسة، الطبيب، والمسؤول الحكومي. هذا التعري الكامل للفساد المجتمعي في منتصف السبعينيات كان صادمًا للسلطة. تم رفع الفيلم بعد شكاوى عديدة، وتمت معاقبة الرقابة بسببه، ليظل المذنبون علامة فارقة تؤكد أن السينما يمكنها أن تزلزل الكراسي الوظيفية.
6. حمام الملاطيلي (1973)

المخرج الكبير صلاح أبو سيف أراد أن يعبر عن حالة التخبط والضياع التي عاشها الشباب المصري بعد نكسة 1967، فقدم لنا حمام الملاطيلي. تدور القصة حول شاب ريفي يأتي للقاهرة بحثًا عن فرصة، لينتهي به المطاف في “حمام شعبي” مليء بالنماذج البشرية المنحرفة والمهمشة.
الفيلم احتوى على تلميحات ومشاهد اعتبرت شديدة الجرأة في وقتها، خاصة فيما يتعلق بالمثلية الجنسية والعلاقات المحرمة. الرقابة رأت فيه فجاجة، بينما رآه النقاد صرخة ألم وواقعية مفرطة. مُنع الفيلم من العرض التلفزيوني لسنوات طويلة، وظل يُشاهد بنسخ “مقرصنة” ورديئة الجودة كدليل على فضول الجمهور للممنوع.
نرشح: أفضل 50 مسلسل مصري على الإطلاق
5. زائر الفجر (1973)

ننتقل من الجرأة الاجتماعية إلى “التابو” السياسي. فيلم زائر الفجر يعتبر من أكثر الأفلام التي ظلمت إنتاجيًا بسبب جرأته السياسية. الفيلم يتناول الوضع السياسي القمعي وتأثيره على الأفراد، من خلال قصة وكيلة نيابة تحاول حل لغز جريمة قتل لتكتشف أن السياسة متورطة في كل شيء.
المنتجة ماجدة الخطيب أنفقت كل ما تملك لإنتاج هذا الفيلم، لكنه مُنع بعد أسبوع واحد من عرضه بأوامر عليا. قيل إن الفيلم كان يحمل إسقاطات مباشرة على مراكز القوى، وتسبب المنع في أزمة صحية ونفسية لمنتجته، ليظل الفيلم شاهدًا على أن “زوار الفجر” لم يكونوا في البيوت فقط، بل في دور السينما أيضًا.
4. العصفور (1972)

يوسف شاهين، المخرج المتمرد دائمًا، قدم في العصفور رؤية تحليلية لأسباب هزيمة 1967. لكن الغريب أن شاهين صور الفيلم وكتبه قبل وقوع الحرب، وكأنه كان يقرأ المستقبل!
الفيلم يتحدث عن الفساد الذي نخر في عظام الدولة والقطاع العام، وكيف أدى ذلك للهزيمة العسكرية. شخصية “بهية” في الفيلم التي صرخت “لأ.. هنحارب” أصبحت أيقونة وطنية، ورغم ذلك واجه الفيلم تعنتًا رقابيًا شديدًا بسبب انتقاده الصريح للنظام الناصري وتحميله مسؤولية النكسة، ولم يُعرض إلا بعد حرب أكتوبر وتغير المناخ السياسي قليلاً.
نرشح: أفضل 10 أفلام إلهام شاهين في تاريخ السينما
3. ثرثرة فوق النيل (1971)

مرة أخرى مع نجيب محفوظ، وهذه المرة بجرأة سياسية مغلفة بدخان “الجوزة”. فيلم ثرثرة فوق النيل للمخرج حسين كمال يصور مجموعة من المثقفين والطبقة الراقية المنعزلين عن واقع بلدهم داخل “عوامة” في النيل، غارقين في المخدرات والعبث بينما البلد ينهار.
الرقابة لم تعترض فقط على مشاهد تعاطي المخدرات، بل أدركت الرسالة السياسية اللاذعة: هؤلاء المساطيل هم النخبة التي تركت مصر تغرق. الفيلم أثار غضب السلطة بشدة، ويُقال إن الرئيس أنور السادات شاهده بنفسه وسمح بعرضه لاحقًا كنوع من “التنفيس” الديمقراطي، لكنه ظل ممنوعًا من العرض الجماهيري الواسع لفترات متقطعة.
2. ناجي العلي (1992)

في المرتبة الثانية، فيلم لم يمنع فقط، بل كاد يقضي على مستقبل بطله. عندما قرر الفنان نور الشريف تجسيد شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني “ناجي العلي”، شُنت ضده حملة صحفية وإعلامية شرسة في مصر، اتهمته بالخيانة والترويج لأفكار ضد الدولة، نظرًا لمواقف ناجي العلي السياسية من القيادة المصرية آنذاك.
الفيلم تم منعه في العديد من الدول العربية، وفي مصر تم رفعه من دور العرض بسرعة قياسية. الهجوم كان قاسيًا لدرجة أن نور الشريف فكر جديًا في الاعتزال والهجرة. اليوم، يُنظر للفيلم كأحد أروع كلاسيكيات السيرة الذاتية وأصدقها في الأداء التمثيلي.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية خالدة لا يجب أن تفوّتها
1. لاشين (1938)

نصل الآن إلى قمة القائمة، الفيلم الذي يستحق لقب “أب الأفلام الممنوعة”. فيلم لاشين الذي أنتج قبل ثورة يوليو بسنوات طويلة، تنبأ بسقوط الملكية.
يحكي الفيلم قصة قائد جيش يدعى “لاشين” يقف بجانب الشعب ضد فساد حاشية السلطان. القصر الملكي في عهد الملك فاروق استشعر الخطر، ورأى في الفيلم تحريضًا صريحًا على الثورة ضد الملك، فصدر قرار فوري بمنعه وتغيير نهايته. يُعتبر لاشين دليلاً تاريخيًا على أن السينما المصرية كانت تملك وعيًا سياسيًا سابقًا لعصرها، وأن الرعب من تأثير الشاشة الفضية قديم قدم السينما نفسها.
عندما نتأمل هذه القائمة، نكتشف مفارقة عجيبة؛ فالأفلام التي حاربتها الرقابة وحاولت طمسها، هي نفسها التي عاشت طويلاً وبحث عنها الناس بشغف أكبر.
يبدو أن عبارة “ممنوع من العرض” هي أفضل دعاية يمكن أن يحصل عليها أي عمل فني. هذه الأفلام لم تكن مجرد قصص للتسلية، بل كانت وثائق تاريخية وشهادات حية على عصور مرت بها مصر، بآلامها وآمالها، وبقيت هي بينما ذهب الرقباء إلى النسيان.
هل شاهدت أيًا من هذه الأفلام؟ وهل تعتقد أنها كانت تستحق المنع؟




