حين نذكر الرواد في تاريخ السينما المصرية، يبرز اسم أحمد زكي كجبل قائم وسط بحرٍ متلاطم من المواهب. لم يكن مجرّد ممثل يؤدي أدوارًا، بل كان روحًا تتجسد في كل شخصية، يذوب فيها حتى يختفي اسمه ويبقى وجه الشخصية وعقلها ونبضها هو المتحدث.
في مسيرته التي امتلأت بالأدوار الخالدة، قدّم زكي أعمالًا حفرت مكانًا ثابتًا في الذاكرة العربية، وتركت أثرًا لا يمحوه الزمن.
وفي هذا المقال نستعرض أفضل 5 أفلام في مسيرته، مرتبة من الخامس حتى الأول، وفق تأثيرها الفني، وأداءه الاستثنائي، وبصمتها في تاريخ السينما.
5. زوجة رجل مهم

في فيلم “زوجة رجل مهم” نجد أحمد زكي على خط التماس بين القوة والخوف، بين الذات وصورتها في المرآة. يلعب دور ضابط أمن يفقد السيطرة على حياته تدريجيًا، وكأن السلطة التي يحملها فوق كتفيه تتحول شيئًا فشيئًا إلى عبء يضغط على صدره حتى يفقد الهواء.
أحمد زكي في هذا الدور يشبه جمرة تتوهج من الداخل. لا يصرخ كثيرًا، لكنه يترك المشاهد يشعر بانفجار قادم لا محالة، كما لو أن الشخصية قنبلة زمنية تمشي على قدمين. ومع تدهور علاقته بزوجته، نرى كيف يمكن للقوة التي تمنح الاطمئنان أن تتحول إلى وحش يلتهم صاحبه قبل الآخرين.
الفيلم ليس مجرد دراما اجتماعية، بل درس عميق في تفكيك النفس البشرية عندما تغمرها سلطات أكبر من احتمالها، وفي هذا التحدي كان أحمد زكي سيد الموقف بلا منازع.
نرشح: أفضل 10 أفلام مصرية على الإطلاق
4. الهروب

في “الهروب” يتقمص أحمد زكي شخصية محمود، الرجل الذي يجد نفسه مطاردًا بعد أن لفّقت له تهمة لم يرتكبها. هنا يأخذ زكي المشاهد في رحلة ليست مجرد مطاردة بوليسية، بل مطاردة داخل الروح نفسها. تشعر وكأنك تركض معه في الطرقات المظلمة، تسمع أنفاسه، وتلمس خوفه وأمله في آن واحد.
كل نظرة في عينيه في هذا الفيلم تحمل سؤالًا عن العدالة: هل هي حقيقة أم مجرد وهم نطارده؟ والزكي يجعل المشاهد يصدّق أن الهروب ليس دائمًا جبنًا، بل في بعض الأحيان محاولة أخيرة للتمسك بالحياة.
الفيلم يمشي على خيط رفيع بين الإثارة الإنسانية والدراما الهادئة، وأحمد زكي يقوده بملامح رجل يعاند القدر مهما قست الطرق أمامه.
3. البريء

من بين الأفلام التي رسمت وعياً جماعياً لا يُنسى يأتي “البريء”. في هذا الفيلم يصبح أحمد زكي رمزًا للإنسان البسيط الذي يدخل عالمًا أكبر منه، فيتحول من شاب نقيّ القلب إلى ترس في آلة لا ترحم.
ما يجعل الأداء هنا استثنائياً هو أن زكي لم يقدم شخصية مجردة، بل عرّى براءة الإنسان أمام سلطة الواقع. تشعر بأنه يمشي حافيًا فوق زجاجٍ مكسور، كل خطوة تُدمي قلبه قبل قدمه. نظراته وهي تتغير تدريجيًا من بساطة الريف إلى مرارة الفهم، تشبه فصلًا كاملًا من رواية تكتب بالعيون لا بالكلمات.
“البريء” لا ينسى بسهولة، لأنه فيلم يوجّه ضوءًا قويًا على لحظة فقدان البراءة، وزكي جعل تلك اللحظة تنقش في وجدان كل من شاهدها.
نرشح: 5 أفلام لرامز جلال لا تُنسى لمحبي الكوميديا
2. إضحك الصورة تطلع حلوة

لا يكفي أن نقول إن “إضحك الصورة تطلع حلوة” فيلم إنساني؛ هو مرآة صغيرة تعكس وجوه الناس البسطاء، أحلامهم، وأوجاعهم. يجسد أحمد زكي شخصية مصور فوتوغرافي يرى العالم من خلال عدسته، لكنه يرى نفسه من خلال من يحبّ.
ما يميز الأداء هنا هو الدفء. تشعر وكأن زكي يضع قلبه في يد المشاهد، يشاركه حزنه وفرحه بصدق من دون ادّعاء. حتى ضحكته في الفيلم ليست مجرد ضحكة، بل محاولة صغيرة لإخفاء جرح أكبر. يشبه في أدائه ورقة شجرة تتمايل مع الريح؛ مرنة من الخارج، لكنها تحمل جذورًا لا تنكسر.
هذا الفيلم لا يعتمد على الصراخ أو المواجهة المباشرة، بل على العواطف التي تنساب بهدوء، وزكي كان بطل هذا الهدوء الذي يلامس القلب.
1. أيام السادات

في المركز الأول يأتي “أيام السادات”، العمل الذي لا يقدّم أحمد زكي كممثل، بل كفنان وصل إلى مرحلة نادرة: الانصهار الكامل في الشخصية. لم يكن يقلّد أنور السادات، بل عاشه، كما يعيش الممثل الحقيقي دورًا يتنفس في داخله.
من نبرة الصوت إلى حركة اليد إلى لحظات الصمت التي سبقت الكلمات، قدّم زكي أداءً يجعل الحدود بين الشخصية والواقع ضبابية. كأن السادات عاد للحياة عبر أحمد زكي، لا على شاشة عرض، بل في ذاكرة أجيال لم تره إلا من خلال هذا الفيلم.
“أيام السادات” ليس مجرد عمل سياسي أو سيرة ذاتية، بل شهادة فنية على قدرة الممثل أن يصبح هو الشخصية دون أن يفقد روحه. ومن هنا جاءت عظمة زكي، إذ ترك أثرًا بقي حتى بعد رحيله.
نرشح: رحلة نجم… أفضل 5 أفلام لكريم عبد العزيز
حين يتحول الممثل إلى زمنٍ لا يشيخ
اختيار خمسة فقط من بين أعمال أحمد زكي يشبه محاولة احتواء البحر في زجاجة صغيرة. فالرجل لم يكن ممثلًا فحسب، بل مدرسة كاملة في التقمص والتعبير والتجسيد. من الهروب والبراءة إلى تجسيد رؤساء ورجال من لحم ودم، عاش زكي أدواره كما يعيش الإنسان حياته: بألمها وفرحها وصمتها واندفاعها.
وربما أجمل ما يقال عنه:
لم يكن أحمد زكي يمثل.. كان يحيا.
ولهذا تبقى أفلامه حيّة في الذاكرة، تتنفس معنا، وتذكّرنا دائمًا أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتحول إلى نبض في قلوب من يشاهدونه.




