هل تساءلت يوماً كيف يمكن لبلد أن يكتب تاريخه بالنار والدم، ثم يعيد كتابته بالضوء والصورة؟ هذه هي حكاية السينما الجزائرية. إنها ليست مجرد ترفيه عابر أو قصص مسلية؛ إنها ذاكرة أمة، وصرخة مقاومة، ومرآة تعكس أعمق جراحها وأسمى انتصاراتها.
منذ فجر الاستقلال، ارتبطت الكاميرا في الجزائر ارتباطاً وثيقاً بالبندقية. كانت أداة لتوثيق الثورة، ثم أصبحت سلاحاً ثقافياً لبناء الهوية الوطنية. ولهذا السبب، عندما نتحدث عن أفضل الأفلام الجزائرية، فنحن لا نتحدث فقط عن الجودة الفنية، بل عن أفلام تحمل في طياتها “DNA” الشعب الجزائري.
في هذا المقال، سنغوص في رحلة سينمائية استثنائية. لنستكشف معاً جواهر خالدة شكلت وجدان الملايين، ونالت اعترافاً عالمياً لم يسبق له مثيل في تاريخ السينما العربية.
10. بابيشة (Papicha) – 2019

في فترة حالكة من تاريخ الجزائر، عُرفت بـ “العشرية السوداء”، يأتي فيلم “بابيشة” للمخرجة مونية مدور كصرخة حياة مدوية. “بابيشة” هي كلمة عامية جزائرية تعني “فتاة عصرية” أو “جذابة”، والفيلم يروي قصة “نجمة”، طالبة جامعية تحلم بأن تصبح مصممة أزياء.
ما يجعل هذا الفيلم قوياً هو رمزيته. في وقت حاول فيه التطرف طمس معالم الحياة واللون والأنوثة، تقرر “نجمة” وصديقاتها تنظيم عرض أزياء داخل الحرم الجامعي. إنه ليس مجرد عرض، بل هو فعل مقاومة جريء.
الفيلم يريك كيف يمكن لقطعة قماش ملونة أن تكون أقوى من الرصاص. “بابيشة” هو احتفاء بروح المرأة الجزائرية التي ترفض أن تُكسر، وقد نال استحساناً نقدياً كبيراً في مهرجان “كان” السينمائي، ليثبت أن السينما الجزائرية الشابة لا تزال قادرة على الإبهار.
9. رشيدة (Rachida) – 2002

نستمر في ذات الحقبة الزمنية المؤلمة، لكن من زاوية مختلفة. فيلم “رشيدة” للمخرجة يمينة بشير شويخ، هو واحد من أكثر الأفلام واقعية وتأثيراً عن صدمة الإرهاب. القصة تتبع “رشيدة”، مدرسة شابة تعيش في حي شعبي بالجزائر العاصمة.
في يوم مشؤوم، تتعرض لمحاولة اغتيال من قبل جماعة إرهابية لأنها رفضت زرع قنبلة في مدرستها. تنجو بأعجوبة، لكنها تهرب إلى قرية نائية، معتقدة أنها ستجد الأمان. الفيلم لا يركز على العنف بقدر ما يركز على “ما بعد الصدمة”.
يغوص في الآثار النفسية العميقة التي تركها الإرهاب على الأفراد والمجتمع. “رشيدة” هو فيلم عن الخوف، والنزوح الداخلي، والبحث عن بصيص أمل وسط الخراب. إنه تذكير مؤلم بأن أكبر ضحايا الحروب هم الأبرياء.
8. الطاكسي المخفي (The Clandestine Taxi) – 1989

الآن، دعنا نأخذ استراحة من الدراما الثقيلة ونتجه نحو أيقونة الكوميديا التي لا يختلف عليها اثنان في الجزائر. “الطاكسي المخفي” للمخرج بن عمر بختي هو أكثر من مجرد فيلم؛ إنه ظاهرة ثقافية.
القصة بسيطة ومجنونة في آن واحد: مجموعة من المواطنين من مختلف الشرائح الاجتماعية يجدون أنفسهم عالقين في سيارة أجرة “سرية” (مخفية) في رحلة مليئة بالمغامرات والمواقف الساخرة. بطولة العملاق الراحل “عثمان عريوات”، يقدم الفيلم نقداً اجتماعياً لاذعاً للبيروقراطية، والفساد، والفوارق الاجتماعية في فترة الثمانينيات.
سر نجاحه؟ أنه “حقيقي”. الحوارات تُستخدم حتى يومنا هذا في الشارع الجزائري. إنه كوميديا سوداء تضحكك حتى البكاء على واقع تعرفه جيداً. هذا الفيلم هو الدليل القاطع على أن الضحك يمكن أن يكون أداة نقد فتاكة.
7. بلديون (Days of Glory) – 2006

هذا الفيلم، للمخرج رشيد بوشارب، هو لكمة قوية في وجه التاريخ الرسمي. “بلديون” (أو Indigènes بالفرنسية) ليس فيلماً جزائرياً بالكامل من حيث الإنتاج، ولكنه جزائري بالكامل في قلبه وقضيته.
يروي الفيلم القصة المنسية لأربعة جنود جزائريين (سعيد، مسعود، ياسر، وعبد القادر) يتطوعون في الجيش الفرنسي “الحر” للمساعدة في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. هؤلاء “البلديون” (الأهالي) قاتلوا بشراسة، وحلموا بالحرية والمساواة، لكنهم ووجهوا بالعنصرية، والتهميش، ونكران الجميل.
الفيلم ترشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وكان له تأثير سياسي مباشر، حيث دفع الحكومة الفرنسية (بعد 60 عاماً!) إلى الاعتراف بحقوق هؤلاء المحاربين القدامى ومعاشاتهم. إنه فيلم عن “تصحيح الذاكرة”، وعن المطالبة بالاعتراف بالتضحيات التي شُطبت عمداً من كتب التاريخ.
6. ريح الأوراس (The Winds of the Aures) – 1966

نعود الآن إلى الجذور، إلى فجر السينما الجزائرية. “ريح الأوراس” هو أول فيلم روائي طويل للمخرج الأسطوري محمد الأخضر حمينة. تم إنتاجه بعد سنوات قليلة فقط من الاستقلال، وهو يحمل كل صدق تلك المرحلة.
الفيلم هو قصيدة بصرية حزينة. إنه لا يركز على المعارك الكبرى، بل على الثمن الإنساني للحرب. القصة تتبع أم جزائرية (تؤدي دورها ببراعة كلثوم) تبحث بيأس عن ابنها الذي اعتقله الجيش الفرنسي. رحلتها عبر جبال الأوراس القاسية هي ملحمة من الألم، والصمود، والحب الأمومي الذي لا يقهر.
“ريح الأوراس” هو فيلم إنساني عالمي، يتحدث لغة تفهمها كل الشعوب التي عانت من ويلات الحرب. نال الفيلم جائزة “أفضل عمل أول” في مهرجان “كان” 1967، ليضع السينما الجزائرية على الخريطة العالمية بقوة.
5. الأفيون والعصا (L’Opium et le Bâton) – 1971

إذا كانت “ريح الأوراس” قصيدة، فإن “الأفيون والعصا” (المقتبس من رواية مولود معمري) هو الملحمة. هذا الفيلم للمخرج أحمد راشدي هو واحد من أضخم الإنتاجات التي تناولت الثورة الجزائرية.
القصة تتبع طبيباً جزائرياً يعيش حياة مريحة في المدينة، يقرر الانضمام إلى المجاهدين في الجبال. الفيلم يصور ببراعة الصراع الداخلي للمثقفين، والانتقال من حياد “الأفيون” (الراحة الوهمية تحت الاستعمار) إلى صلابة “العصا” (الانضمام للمقاومة المسلحة).
ما يميز هذا الفيلم هو واقعيته الشديدة في تصوير الحياة اليومية للمجاهدين، والمعارك، والتنظيم الثوري في القرى. إنه فيلم كلاسيكي، لا يزال يُعرض في التلفزيون الجزائري كل ذكرى استقلال، ولا يزال قادراً على إلهام أجيال جديدة.
4. عطلة المفتش الطاهر (Inspector Tahar’s Holiday) – 1973

لا يمكن الحديث عن أفضل 10 أفلام جزائرية دون ذكر “المفتش الطاهر”. إذا كان “الطاكسي المخفي” هو أيقونة كوميديا الثمانينيات، فإن سلسلة “المفتش الطاهر” هي حجر الأساس للكوميديا الجزائرية.
ببطولة الأسطورة “حاج عبد الرحمن” ومساعده الدائم “لابرانتي” (يحيى بن مبروك)، يقدم الفيلم شخصية المفتش “الطاهر” الفوضوي، الغبي بذكاء، الذي يحاول حل جريمة قتل معقدة في فندق فخم.
الفيلم هو مزيج عبقري بين “الكوميديا التهريجية” (Slapstick) والنقد الذكي. إنه يسخر من البيروقراطية الناشئة بعد الاستقلال، ومن التناقضات بين “القديم” و”الجديد”. الثنائي “الطاهر ولابرانتي” هو النسخة الجزائرية من “لوريل وهاردي”، وقد صنعا فيلماً يجعلك تضحك بصوت عالٍ حتى بعد مرور 50 عاماً على إنتاجه.
3. زاد (Z) – 1969

هنا ندخل منطقة العمالقة. فيلم “Z” (أو “زاد” بالعربية، وتعني “إنه حي”) هو حالة فريدة. إنه فيلم إنتاج جزائري-فرنسي، للمخرج اليوناني كوستا غافراس، لكنه يمثل ذروة نضج السينما الجزائرية كقوة عالمية.
الفيلم هو “ثريلر” سياسي بامتياز، مبني على قصة حقيقية لاغتيال سياسي يساري في اليونان. يصور الفيلم كيف يتواطأ الجيش والشرطة والحكومة اليمينية للتستر على جريمة سياسية، وكيف يحاول قاضي تحقيق شجاع كشف الحقيقة.
لماذا هو في هذه القائمة؟ لأنه أولاً، إنتاج جزائري ضخم. ثانياً، وهو الأهم: “زاد” هو الفيلم العربي والإفريقي الوحيد في التاريخ الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي. نعم، الأوسكار! فاز أيضاً بجائزة لجنة التحكيم في “كان”. هذا الفيلم لم يكن مجرد نجاح، بل كان بياناً سياسياً عالمياً، والجزائر هي التي أعطته صوته.
2. وقائع سنين الجمر (Chronicle of the Years of Fire) – 1975

استعدوا للتاريخ. “وقائع سنين الجمر” للمخرج العبقري محمد الأخضر حمينة، ليس مجرد فيلم، إنه نصب تذكاري سينمائي.
هذا الفيلم هو ملحمة تاريخية ضخمة تمتد لثلاث ساعات تقريباً، تروي قصة الجزائر ليس فقط خلال الثورة، بل “ما قبل” الثورة. إنه يغوص في “سنين الجمر” التي أدت إلى الانفجار: الجفاف، الفقر، القمع الاستعماري، ومحاولات المقاومة الأولى منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
الفيلم مقسم إلى فصول (مثل “سنوات الرماد”، “سنوات الجمر”)، ويروي قصة فلاح بسيط يصبح رمزاً لمعاناة شعب بأكمله. “وقائع سنين الجمر” حقق معجزة: لقد فاز بـ السعفة الذهبية (Palme d’Or) في مهرجان “كان” السينمائي.
لعقود طويلة، كان هذا هو الفيلم العربي والإفريقي الوحيد الذي يحقق هذا الإنجاز الأسمى. إنه تحفة فنية متكاملة، وإعلان عن ميلاد سينما جبارة.
1. معركة الجزائر (The Battle of Algiers) – 1966

لقد وصلنا إلى القمة. إذا كان هناك فيلم واحد يجب أن يراه العالم ليفهم معنى “السينما الجزائرية”، فهو هذا الفيلم. “معركة الجزائر” للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، وبإنتاج جزائري مشترك.
هذا الفيلم ليس مجرد سرد، إنه “إعادة تمثيل” شبه وثائقية لسنوات الكفاح المسلح في “القصبة”. إنه يصور بدقة مذهلة تكتيكات “جبهة التحرير الوطني” في حرب العصابات الحضرية، والأساليب الوحشية التي استخدمها المظليون الفرنسيون لقمعها، بما في ذلك التعذيب.
ما يجعل “معركة الجزائر” هو الأول، هو تأثيره الذي تجاوز حدود السينما. الفيلم واقعي لدرجة أن الكثيرين ظنوا أنه لقطات أرشيفية حقيقية. تم منعه في فرنسا لسنوات. والأكثر من ذلك، أصبح الفيلم “دليلاً تعليمياً” لحركات التحرر في جميع أنحاء العالم (من الفهود السود في أمريكا إلى حركات أمريكا اللاتينية). كما أنه يُدرّس حتى اليوم في الأكاديميات العسكرية (بما في ذلك البنتاغون) لفهم “الحرب غير المتكافئة”.
فاز الفيلم بـ الأسد الذهبي في مهرجان البندقية. إنه ليس مجرد “أفضل فيلم جزائري”، بل يُصنف عالمياً كواحد من “أعظم الأفلام السياسية في كل العصور”. إنه الأثر الخالد الذي لا يُضاهى.
مستقبل السينما الجزائرية… إرث يتجدد
من “معركة الجزائر” إلى “بابيشة”، رأينا كيف أن السينما الجزائرية لم تكن يوماً للترفيه فقط. لقد كانت دائماً في قلب المعركة: معركة التحرير، معركة بناء الهوية، معركة الذاكرة، ومعركة مواجهة التطرف.
هذه القائمة هي مجرد غيض من فيض. تاريخ السينما الجزائرية مليء بالروائع التي تحتاج إلى إعادة اكتشاف.
واليوم، مع ظهور جيل جديد من المخرجين الذين يحملون هذا الإرث الثقيل، مثلما رأينا في أفلام حديثة كـ “الملكة الأخيرة”، نثق تماماً أن الكاميرا الجزائرية ستستمر في سرد قصصها، وستبقى دائماً… شاهدة على الزمن.




