هل تشعر أحيانًا بالملل من أفلام هوليوود ذات القالب الواحد؟ هل تبحث عن شيء… مختلف؟ شيء يحمل عمقاً تاريخياً، وجرأة فنية، ولمسة من السريالية التي لا يمكن أن تجدها في أي مكان آخر؟ إذا كانت إجابتك “نعم”، فأنت في المكان الصحيح. دعنا نغوص معاً في عالم السينما الإسبانية الكلاسيكية.
قد لا تحظى أفلام إسبانيا القديمة بنفس شهرة نظيراتها الفرنسية أو الإيطالية، لكن صدقني، هي كنز مدفون ينتظر من يكتشفه. نتحدث هنا عن أفلام وُلدت في رحم ظروف سياسية معقدة (مثل حقبة فرانكو)، مما أجبر المخرجين على أن يكونوا مبدعين بشكل لا يصدق. لقد استخدموا الرموز والأفكار المبتكرة لقول ما لا يمكن قوله صراحة.
هذه القائمة ليست مجرد سرد لأفلام قديمة، بل هي دعوة لتجربة فنية فريدة. جهز الفشار، ودعنا نبدأ العد التنازلي لأفضل 10 أفلام إسبانية كلاسيكية ستغير نظرتك للسينما.
10. فيلم “Atraco a las tres” (السطو في الثالثة – 1962)

لنبدأ قائمتنا بفيلم خفيف وممتع ولكنه لاذع في نفس الوقت. “السطو في الثالثة” هو كوميديا سوداء عبقرية. القصة تدور حول مجموعة من موظفي البنك الكادحين الذين يقررون أن أفضل طريقة لتحسين وضعهم المادي هي… سرقة البنك الذي يعملون فيه!
ما يجعل الفيلم رائعاً هو كيف يخطط هؤلاء الموظفون “المساكين” لعملية السطو المثالية، مستلهمين خططهم من أفلام الجريمة الأمريكية. إنه يقدم نقداً اجتماعياً ذكياً للوضع الاقتصادي في إسبانيا آنذاك، مغلفاً بطابع كوميدي خفيف. هل سينجحون؟ حسناً، سأترك لك متعة الاكتشاف.
9. فيلم “Plácido” (بلاثيدو – 1961)

لويس غارسيا بيرلانغا هو أحد أعمدة السينما الإسبانية، وهذا الفيلم هو أحد أسباب شهرته. “بلاثيدو” هو هجاء اجتماعي لاذع تم ترشيحه لجائزة الأوسكار. تدور أحداثه عشية عيد الميلاد في بلدة إسبانية صغيرة.
تنظم مجموعة من السيدات الثريات حملة “إنسانية” غريبة: “أجلس فقيراً على مائدتك الليلة”. الهدف هو التظاهر بالكرم أمام الصحافة. في وسط هذه الفوضى، نجد “بلاثيدو”، الرجل الفقير الذي يجب عليه سداد أول قسط من شاحنته الصغيرة قبل منتصف الليل، وإلا سيخسرها. الفيلم يصور ببراعة النفاق الاجتماعي والطبقية بطريقة كوميدية تثير الضحك والبكاء في آن واحد.
8. فيلم “Cría Cuervos” (ربِّ الغربان – 1976)

الآن، ننتقل إلى نبرة مختلفة تماماً. هذا الفيلم للمخرج العظيم كارلوس ساورا هو تحفة فنية مؤثرة. العنوان مأخوذ من مثل إسباني شهير: “ربِّ الغربان، وسوف تفقأ عينيك”.
الفيلم يروى من منظور “آنا”، طفلة تبلغ من العمر 8 سنوات، تعيش في منزل عائلي كئيب بعد وفاة والدتها مباشرة. الفيلم يمزج بين الواقع وذكريات الطفلة وخيالاتها. إنه استكشاف عميق ومؤلم لمواضيع الموت، الفقدان، والبراءة المفقودة، وكل ذلك على خلفية إسبانيا التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت حكم فرانكو. إنه فيلم يظل معك طويلاً بعد انتهاء العرض.
7. فيلم “Las Hurdes: Tierra Sin Pan” (الأرض بلا خبز – 1933)

هذا ليس فيلماً روائياً، بل هو فيلم وثائقي قصير (27 دقيقة فقط) ولكنه أحد أقوى الأعمال في تاريخ السينما. المخرج هو الأسطورة لويس بونويل. ذهب بونويل إلى منطقة “لاس هورديس” في إسبانيا، وهي منطقة كانت معزولة وفقيرة بشكل لا يصدق في ذلك الوقت.
الفيلم صادم. إنه يصور الفقر المدقع، المرض، والجوع بطريقة فجة ومباشرة. بونويل، بطريقته السريالية المعتادة، يستخدم التعليق الصوتي الهادئ والموسيقى الكلاسيكية ليخلق تبايناً مرعباً مع الصور البائسة التي نراها. إنه فيلم أثار جدلاً كبيراً ومُنع من العرض لسنوات، لكنه يظل وثيقة تاريخية وإنسانية لا تُنسى.
6. فيلم “Muerte de un ciclista” (موت سائق دراجة – 1955)

تخيل هذا: أنت تقود سيارتك مع عشيقك (أو عشيقتك)، وتصدمان راكب دراجة وتقتلانه. بدلاً من التوقف، تقرران الهرب للحفاظ على سمعتكما وعلاقتكما السرية. هذا هو المنطلق المثير لفيلم “موت سائق دراجة”.
الفيلم هو دراما نفسية مشوقة تتبع البطلين وهما يواجهان عواقب فعلتهما. الشعور بالذنب، الخوف من الانكشاف، والشكوك تبدأ في تدمير حياتهما. الفيلم ليس مجرد قصة جريمة، بل هو نقد جريء للطبقة البرجوازية الفاسدة والمنافقة في عهد فرانكو. إنه فيلم “نوار” إسباني بامتياز.
5. فيلم “!Bienvenido, Míster Marshall” (أهلاً بك يا مستر مارشال! – 1953)

نعود إلى الكوميديا الساخرة مع تحفة أخرى لبيرلانغا. هذا الفيلم هو واحد من أكثر الأفلام الإسبانية شعبية على الإطلاق. القصة بسيطة ومضحكة للغاية: بلدة إسبانية صغيرة وفقيرة تسمع أن مسؤولين أمريكيين (جزء من “خطة مارشال” لإعادة إعمار أوروبا) سيمرون من خلالها.
ماذا يفعل العمدة؟ يقرر تحويل البلدة بأكملها لتبدو وكأنها قرية أندلسية نمطية (من تلك التي يراها الأمريكيون في الأفلام)، على أمل أن ينالوا إعجابهم ويحصلوا على بعض المال. الفيلم يسخر ببراعة من الصور النمطية، السياسة، والأحلام الكبيرة. فيلم مبهج وذكي بشكل لا يصدق.
4. فيلم “El espíritu de la colmena” (روح خلية النحل – 1973)

هذا الفيلم… آه، هذا الفيلم قصيدة بصرية. يعتبره الكثيرون أحد أجمل الأفلام التي صُنعت على الإطلاق. تدور أحداثه في قرية إسبانية معزولة عام 1940، بعد الحرب الأهلية مباشرة. بطلتنا هي “آنا” (نعم، نفس الممثلة من فيلم Cría Cuervos)، طفلة صغيرة تشاهد فيلم “فرانكنشتاين” لأول مرة.
تصبح “آنا” مهووسة بالوحش، معتقدة أنه روح حقيقية يمكنها مقابلتها. الفيلم يصور العالم من خلال عينيها البريئتين. كل لقطة في هذا الفيلم هي لوحة فنية. إنه تأمل شاعري في البراءة، الخيال، والواقع القاسي للحرب الذي يحيط بها. فيلم هادئ، عميق، وساحر.
3. فيلم “El verdugo” (الجلاد – 1963)

استعد لواحدة من أقوى الكوميديا السوداء في كل العصور. “الجلاد” (مرة أخرى لبيرلانغا) هو فيلم جريء لدرجة أنه من المعجزة أنه أفلت من مقص الرقيب في ذلك الوقت. القصة تدور حول “خوسيه”، متعهد دفن موتى، يقع في حب ابنة الجلاد “أماديو”.
“أماديو” على وشك التقاعد، ولكي يتمكن “خوسيه” من الحصول على شقة (التي توفرها الدولة للجلادين!)، يجب عليه أن “يرث” وظيفة حماه. المشكلة؟ “خوسيه” لا يستطيع أن يؤذي ذبابة. الفيلم هو نقد لاذع لعقوبة الإعدام وللبيروقراطية التي تجبر الناس العاديين على القيام بأشياء مروعة. النهاية هي واحدة من أقوى النهايات في تاريخ السينما.
2. فيلم “Viridiana” (فيريديانا – 1961)

يا إلهي، هذا الفيلم! “فيريديانا” هو تحفة المخرج لويس بونويل المطلقة، وهو الفيلم الذي تسبب في فضيحة عالمية. القصة تبدأ عندما تقرر “فيريديانا”، وهي راهبة شابة على وشك نذر عهودها الأخيرة، زيارة عمها الثري قبل أن تنقطع عن العالم.
هذه الزيارة تطلق سلسلة من الأحداث الصادمة التي تتحدى كل مفاهيم الدين، الأخلاق، والطبيعة البشرية. مُنع الفيلم في إسبانيا لسنوات، وأدانته الفاتيكان، لكنه فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان. إنه فيلم استفزازي، صادم، وعبقري. مشهد “العشاء الأخير” الشهير في هذا الفيلم وحده يستحق المشاهدة.
1. فيلم “Un Chien Andalou” (كلب أندلسي – 1929)

وصلنا إلى القمة. هذا ليس مجرد فيلم، إنه حدث. “كلب أندلسي” هو فيلم قصير (16 دقيقة) صامت، وهو نتاج التعاون بين العبقريين لويس بونويل وسلفادور دالي. هل هو أهم فيلم سريالي على الإطلاق؟ غالباً نعم.
لا تحاول البحث عن “قصة” بالمعنى التقليدي. الفيلم هو عبارة عن سلسلة من الصور الحالمة، الغريبة، والصادمة التي لا يربطها أي منطق. من المشهد الافتتاحي الشهير (والصادم جداً) لشق عين بموس، إلى النمل الذي يخرج من راحة اليد.
كان هدف بونويل ودالي هو “صدمة” الجمهور البرجوازي. وبعد مرور قرن تقريباً، لا يزال هذا الفيلم قادراً على الصدمة، الإبهار، وإثارة الحيرة. إنه تاريخ السينما في أنقى صوره.
رحلتك مع السينما الإسبانية قد بدأت للتو
وهكذا، انتهت رحلتنا السريعة عبر الزمن. هذه الأفلام العشرة هي مجرد نقطة بداية. ما يميز السينما الإسبانية الكلاسيكية هو شجاعتها. إنها سينما لم تخف أبداً من طرح الأسئلة الصعبة، أو صدم المشاهد، أو استخدام الفن كمرآة (وأحياناً كمطرقة) ضد المجتمع والسياسة.
لقد رأينا الكوميديا الساخرة، الدراما النفسية العميقة، والروائع السريالية. كل فيلم من هذه الأفلام هو تجربة بحد ذاته. لذا، في المرة القادمة التي تبحث فيها عن فيلم لمشاهدته، لماذا لا تتخطى الإصدارات الجديدة وتجرب واحداً من هؤلاء العمالقة؟ أضمن لك أنك لن تندم.
ما هو الفيلم الذي أثار فضولك أكثر؟ هل لديك فيلم إسباني كلاسيكي مفضل لم نذكره؟ شاركنا رأيك!




