هل فكرت يوماً أن السينما يمكن أن تكون “تاكو” حاراً مليئاً بالنكهات المتناقضة؟ نكهة الحب، طعم الموت، مرارة الفقر، وحلاوة الأحلام؟
السينما المكسيكية هي بالضبط كذلك. إنها ليست مجرد أفلام نتابعها لتمضية الوقت، بل هي مرآة عاكسة لروح أمة كاملة، أمة تعيش وتتنفس الفن، الألم، والألوان الصارخة.
عندما نتحدث عن السينما العالمية، غالباً ما تتجه الأنظار إلى هوليوود، لكن عشاق الفن السابع الحقيقيين يدركون أن المكسيك قدمت للعالم بعضاً من أعظم المخرجين في العصر الحديث، مثل “ألفونسو كوارون”، “أليخاندرو إيناريتو”، و”جييرمو ديل تورو”.
في هذا المقال، سنأخذك في رحلة لا تُنسى، ونستعرض أفضل 10 أفلام مكسيكية في التاريخ، مرتبة من المركز العاشر وحتى “التحفة الخالدة” في المركز الأول.
10. فيلم “لم أعد هنا” (Ya no estoy aquí – 2019)

نبدأ قائمتنا بفيلم حديث نسبياً لكنه حجز مكانه فوراً في قلوب النقاد والجماهير. فيلم Ya no estoy aquí (أو I’m No Longer Here) للمخرج فرناندو فرياس، هو أكثر من مجرد فيلم درامي؛ إنه وثيقة بصرية مذهلة عن الهوية والضياع.
تدور أحداث الفيلم حول “أوليسيس”، شاب ينتمي لثقافة فرعية تُعرف بـ “كولومبياس” في مدينة مونتيري، يعشقون رقصة “الكومبيا” البطيئة وتصفيفات الشعر الغريبة. يجبره عنف العصابات على الهرب إلى نيويورك، وهناك تبدأ مأساته الحقيقية: الاغتراب.
الفيلم لا يعتمد على الحوارات الطويلة، بل يترك الموسيقى ولغة الجسد تتحدث. إنه تحفة بصرية تجعلك تشعر بغربة البطل وكأنك أنت من فقد وطنه.
9. فيلم “جريمة الأب أمارو” (El crimen del padre Amaro – 2002)

هل يمكن للدين والرغبة أن يجتمعا في قلب واحد؟ هذا الفيلم المثير للجدل للمخرج كارلوس كاريرا، والذي قام ببطولته النجم “جايل غارسيا برنال”، طرح هذا السؤال بجرأة شديدة هزت المجتمع المكسيكي وقت عرضه.
يحكي الفيلم قصة الكاهن الشاب “أمارو” الذي يُرسل إلى بلدة ريفية ليتدرب، لكنه يجد نفسه متورطاً في علاقة عاطفية محرمة مع فتاة شابة، وفي نفس الوقت يكتشف فساداً مالياً وتورط الكنيسة مع تجار المخدرات.
El crimen del padre Amaro ليس فيلماً يهاجم الدين بقدر ما يكشف ضعف النفس البشرية أمام المغريات والسلطة. أداؤه التمثيلي القوي وقصته المحبوكة جعلته يترشح لجائزة الأوسكار ويحقق نجاحاً جماهيرياً ساحقاً.
8. فيلم “غويروس” (Güeros – 2014)

إذا كنت تحب السينما التي تكسر القواعد، فهذا الفيلم لك. Güeros للمخرج ألونسو رويزبالاسيوس هو “رسالة حب” للسينما بالأبيض والأسود، وللشباب الضائع الذي يبحث عن هدف.
القصة تبدو بسيطة: ثلاثة شباب ينطلقون في رحلة برية داخل مكسيكو سيتي خلال إضراب طلابي في عام 1999 للبحث عن مغنٍ شعبي قديم يحتضر. لكن الجمال هنا ليس في القصة، بل في الأسلوب.
الفيلم مليء بالطاقة، والحوارات الذكية، واللقطات التي تكسر “الحائط الرابع” أحياناً. إنه فيلم يجعلك تشعر بالحنين لزمن ربما لم تعشه، ويذكرنا بأفلام الموجة الفرنسية الجديدة ولكن بنكهة “تكيلا” مكسيكية خالصة.
7. فيلم “زقاق المعجزات” (El callejón de los milagros – 1995)

هل تعلم أن أحد أهم الأفلام في تاريخ المكسيك مقتبس من رواية لكاتبنا العربي الكبير نجيب محفوظ؟ نعم، فيلم El callejón de los milagros مقتبس عن رواية “زقاق المدق”، لكن المخرج خورخي فونس نقل الأحداث من القاهرة إلى حي شعبي في وسط مكسيكو سيتي.
الفيلم من بطولة النجمة العالمية “سلمى حايك” في بداياتها، ويستعرض قصصاً متشابكة لسكان الزقاق: صاحب الحانة، الفتاة الجميلة التي تحلم بالحب، والشاب الذي يهاجر لأمريكا.
العبقرية في هذا الفيلم تكمن في كيفية تحويل “الحارة المصرية” إلى “حي مكسيكي” دون أن تفقد القصة روحها الإنسانية. إنه دليل قاطع على أن الأدب العظيم والسينما الصادقة لا يعترفان بالحدود الجغرافية.
6. فيلم “مثل الماء للشوكولاتة” (Como agua para chocolate – 1992)

تخيل أنك تطبخ وجبة، وتسكب فيها كل مشاعرك حرفياً، فمن يأكلها يبكي إذا كنت حزيناً، أو يشعر بنشوة الحب إذا كنت عاشقاً! هذا هو جوهر “الواقعية السحرية” في أجمل صورها في فيلم Como agua para chocolate للمخرج ألفونسو أراو.
تدور القصة حول “تيتا”، الفتاة الممنوعة من الزواج بسبب تقاليد العائلة التي تفرض عليها رعاية أمها حتى الموت. وبما أنها لا تستطيع التعبير عن حبها، فإنها تضعه في طعامها.
الفيلم وليمة بصرية وحسية، يمزج بين الطهي، الحب، والسحر بطريقة ساحرة. إنه ليس مجرد فيلم رومانسي، بل هو ثورة صامتة ضد التقاليد البالية، ومحاولة للتحرر عبر نكهات الطعام الشهية.
5. فيلم “مكاريو” (Macario – 1960)

نعود الآن إلى العصر الذهبي للسينما المكسيكية مع فيلم Macario. هذا الفيلم يحتل مكانة خاصة جداً لأنه أول فيلم مكسيكي يترشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وهو يعكس بعمق علاقة الثقافة المكسيكية الفريدة بالموت.
يحكي الفيلم قصة حطاب فقير يدعى “مكاريو”، حلمه الوحيد هو أن يأكل ديكا رومياً كاملاً بمفرده دون أن يشاركه أحد من أطفاله الجائعين. عندما تحقق زوجته حلمه وتسرق ديكا روميا، يظهر له “الشيطان”، و”الرب”، و”الموت”، وكل منهم يطلب مشاركته الطعام. يرفض مكاريو الجميع ويقبل مشاركة “الموت” فقط.
لماذا؟ لأن الموت هو الوحيد العادل بين البشر. الفيلم تحفة بصرية بالأبيض والأسود، مليء بالرمزية والغموض، ويعتبر حجر زاوية في التراث السينمائي اللاتيني.
4. فيلم “وأمك أيضاً” (Y Tu Mamá También – 2001)

قبل أن يخرج “هاري بوتر وسجين أزكابان” أو تحفته “جاذبية”، قدم المخرج العبقري ألفونسو كوارون هذا الفيلم الذي يعتبره الكثيرون أفضل فيلم “نضوج” (Coming-of-age) في القرن الحادي والعشرين.
الفيلم يروي قصة مراهقين من طبقات اجتماعية مختلفة، “تينوتش” و”خوليو”، ينطلقان في رحلة إلى شاطئ وهمي مع امرأة إسبانية أكبر منهما سناً تدعى “لويزا”. ظاهرياً، يبدو الفيلم كوميديا جنسية شبابية، لكن في عمقه، هو تشريح دقيق للمجتمع المكسيكي، للسياسة، وللفروق الطبقية، ولنهاية البراءة.
الكاميرا تتحرك بحرية، والراوي في الخلفية يسرد تفاصيل تبدو هامشية لكنها ترسم صورة قاتمة للمكسيك في تلك الحقبة. إنه فيلم جريء، صادق، ومؤلم في نهايته.
3. فيلم “روما” (Roma – 2018)

مرة أخرى مع ألفونسو كوارون، ولكن هذه المرة في تحفة بصرية بالأبيض والأسود نالت إشادة عالمية وحصدت جوائز الأوسكار. فيلم Roma هو سيرة ذاتية وشخصية جداً للمخرج، حيث يعود بنا إلى حي “روما” في مكسيكو سيتي في أوائل السبعينيات.
البطلة هنا ليست سيدة ثرية، بل الخادمة “كليو” (التي لعبت دورها ياليتزا أباريسيو، وهي ممثلة غير محترفة من السكان الأصليين). الفيلم يرصد حياة عائلة من الطبقة المتوسطة تتفكك ببطء، بالتوازي مع الاضطرابات السياسية في البلاد، كل ذلك من منظور الخادمة الصامتة والمحبة.
التصوير السينمائي في هذا الفيلم يجعلك تشعر وكأنك تعيش داخل اللوحة؛ كل كادر مدروس بعناية فائقة. إنه قصيدة شعرية عن الذاكرة، الطفولة، والنساء اللواتي يربيننا بصمت.
2. فيلم “أموريس بيروس” (Amores Perros – 2000)

في مطلع الألفية، صُدم العالم بفيلم مكسيكي قلب موازين السينما العالمية. فيلم Amores Perros (حب الكلاب) للمخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو كان بمثابة زلزال. هذا الفيلم قدم للعالم أسلوباً سردياً غير خطي، وعنفاً واقعياً، ومشاعر متفجرة.
الفيلم يربط ثلاث قصص مختلفة ببعضها البعض عبر حادث سيارة مروع في مكسيكو سيتي: شاب يتورط في مصارعة الكلاب ليجمع المال ويهرب مع زوجة أخيه، عارضة أزياء شهيرة تدمر الحادثة ساقها ومستقبلها، ومتشرد كان يوماً ما ثورياً يجد الخلاص في رعاية الكلاب الضالة.
العنوان “حب الكلاب” لا يشير فقط للحيوانات، بل للحب الذي يكون أحياناً وفياً وقاسياً وعنيفاً مثل الكلاب الشرسة. هذا الفيلم هو الذي وضع السينما المكسيكية الحديثة بقوة على الخريطة العالمية.
1. فيلم “المنسيون” (Los Olvidados – 1950)

وصلنا إلى القمة، إلى الفيلم الذي لا يمكن لأي قائمة أن تتجاهله، الفيلم الذي أدرجته اليونسكو ضمن سجل “ذاكرة العالم”. إنه Los Olvidados للمخرج السريالي العظيم لويس بونويل.
على الرغم من أن بونويل إسباني الأصل، إلا أنه صنع هذا الفيلم في المكسيك وعن المكسيك. الفيلم يقدم نظرة واقعية وحشية، ممزوجة بلمسات سريالية، عن حياة أطفال الشوارع في الأحياء الفقيرة بمكسيكو سيتي. لا توجد هنا نهايات سعيدة هوليودية، ولا رسائل أخلاقية تبشيرية. “خايبو”، زعيم عصابة من المراهقين، يخرج من الإصلاحية ليقود “بيدرو” الطفل البريء نحو الهاوية.
مشهد “حلم بيدرو” السريالي يعتبر واحداً من أعظم المشاهد في تاريخ السينما. Los Olvidados ليس فيلماً سهلاً للمشاهدة، فهو يواجهك بقبح الفقر وظلم المجتمع دون تجميل. ولهذا السبب تحديداً، هو يتربع على عرش السينما المكسيكية كأعظم عمل فني خالد، يذكرنا دائماً بـ “المنسيين” في كل مجتمع.
أي من هذه التحف ستبدأ بمشاهدته؟
السينما المكسيكية عالم واسع وغني، يمتد أعمق بكثير من الصور النمطية التي نراها في الإعلام الغربي. إنها سينما تتميز بالشغف، الجرأة، والقدرة الفريدة على دمج الواقع القاسي مع الخيال الجامح. القائمة التي استعرضناها اليوم تضم تجارب متنوعة؛ من الدراما العائلية الهادئة إلى عنف الشوارع الصاخب.
والآن، الدور عليك. هل ستبدأ بمشاهدة سحر “روما” البصري؟ أم ستغوص في تعقيدات النفس البشرية مع “المنسيون”؟ أياً كان اختيارك، أعدك بأنك ستخرج من الفيلم وأنت لست نفس الشخص الذي كنت عليه قبله. شاركنا رأيك، وما هو فيلمك المكسيكي المفضل؟




