هل شعرت يوماً أن الأفلام الحديثة، رغم تقنياتها المبهرة، تفتقد لشيء ما؟ ربما تفتقد لتلك الروح، لتلك “النكهة” التي تشبه طعم القهوة المعتّقة أو رائحة الخبز الطازج في صباح باكر.
إذا كنت تبحث عن سينما تلمس روحك، وتخاطب عقلك، وتجعلك تقع في غرام الحياة بكل تناقضاتها، فأنت بحاجة لحزم أمتعتك والتوجه فوراً إلى إيطاليا… لكن ليس عبر الطائرة، بل عبر شاشة التلفاز. السينما الإيطالية ليست مجرد أفلام؛ إنها مرآة عكست آلام الحرب، وأفراح البسطاء، وفوضى المشاعر البشرية.
في هذا المقال، لن أسرد لك تواريخ جافة، بل سآخذك في جولة عبر أفضل 10 أفلام إيطالية قديمة شكلت وعي مخرجين عالميين كبار مثل سكورسيزي وكوبولا.
10. فيلم Suspiria (1977)

دعنا نبدأ قائمتنا بشيء مختلف قليلاً. إذا كنت تظن أن أفلام الرعب القديمة مملة، فالمخرج “داريو أرجينتو” سيجعلك تعيد التفكير. فيلم Suspiria ليس مجرد فيلم رعب؛ إنه كابوس جميل لا تريد الاستيقاظ منه.
تخيل فتاة أمريكية شابة تلتحق بمدرسة باليه مرموقة في ألمانيا، لتكتشف أن خلف تلك الجدران المزخرفة سراً مرعباً وقديماً. ما يميز هذا الفيلم ليس القصة بحد ذاتها، بل التجربة البصرية والسمعية.
استخدم أرجينتو ألواناً صارخة (الأحمر والأزرق والبنفسجي) بطريقة تجعل الشاشة تنبض، مع موسيقى فرقة “Goblin” التي ستجعلك تتوتر وأنت جالس على أريكتك. إنه تحفة فنية في عالم الرعب الإيطالي المعروف بـ “الجيالو” (Giallo).
9. فيلم Divorce Italian Style (1961)

هل يمكن لجريمة القتل أن تكون مضحكة؟ في يد المخرج “بيترو جيرمي”، الإجابة هي نعم! فيلم Divorce Italian Style (طلاق على الطريقة الإيطالية) هو كوميديا سوداء عبقرية تسخر من القوانين القديمة وتقاليد “الشرف” في صقلية.
يقوم الأسطورة مارشيلو ماستروياني بدور بارون إيطالي يشعر بالملل من زوجته ويريد الزواج من ابنة عمه الشابة الجميلة. لكن بما أن الطلاق كان ممنوعاً في إيطاليا وقتها، يقرر أن “يتخلص” من زوجته بطريقة تجعل القانون يتعاطف معه، عبر دفعها للخيانة!
الفيلم ذكي جداً، وحواراته لاذعة، وأداء ماستروياني بنظراته الذابلة وشاربه الرفيع سيجعلك تضحك وتتأمل في سخرية القدر والمجتمع في آن واحد.
8. فيلم Rocco and His Brothers (1960)

ننتقل الآن إلى دراما عائلية من العيار الثقيل. المخرج “لوتشينو فيسكونتي” يقدم لنا في Rocco and His Brothers (روكو وإخوانه) ملحمة تشبه الروايات الروسية الطويلة، ولكن بنكهة إيطالية جنوبية.
القصة تتبع أرملة وأبناءها الخمسة الذين ينتقلون من الجنوب الفقير إلى ميلانو الصناعية في الشمال بحثاً عن حياة أفضل. لكن المدينة الكبيرة لا ترحم، وتبدأ العائلة في التفكك. الصراع بين الأخوين “روكو” (الطيب والمضحي) و”سيموني” (المتهور والعنيف) حول امرأة وحول مصيرهم هو قلب الفيلم.
إنه فيلم عن التضحية، عن الغربة داخل الوطن، وعن الروابط العائلية التي قد تخنقنا بقدر ما تحمينا. جهز مناديلك، لأن المشاعر هنا جارفة.
7. فيلم Umberto D. (1952)

في خضم الحديث عن السينما الواقعية الإيطالية، لا يمكن تجاهل هذا الفيلم الذي يعتبره الكثيرون “الأنقى”. فيلم Umberto D. للمخرج “فيتوريو دي سيكا” هو قصة بسيطة جداً، لكنها تحطم القلب.
الفيلم يحكي عن “أومبرتو”، موظف حكومي متقاعد يعيش في روما، يحاول العيش بمعاش تقاعدي ضئيل لا يكفي لسد رمقه. ليس لديه عائلة ولا أصدقاء سوى كلبه الصغير “فليك”. يصور الفيلم كفاح هذا الرجل العجوز للحفاظ على كرامته وعدم التسول، ومحاولاته اليائسة لإيجاد مأوى له ولكلبه.
لا توجد مؤثرات خاصة ولا نجوم كبار، فقط إنسانية مجردة تجعلك تشعر بثقل الوحدة. مشهد أومبرتو وهو يحاول تدريب كلبه على التسول بدلاً منه هو واحد من أكثر المشاهد تأثيراً في تاريخ السينما.
6. فيلم La Dolce Vita (1960)

وصلنا الآن إلى الفيلم الذي صاغ مصطلح “باباراتزي” وأعطانا أحد أشهر المشاهد في التاريخ. La Dolce Vita (الحياة الحلوة) للمخرج العبقري “فيديريكو فيليني” هو استعراض بصري مذهل لحياة الصخب في روما.
الفيلم يتبع صحفياً (مرة أخرى مارشيلو ماستروياني) يتنقل بين الحفلات الفاخرة، والنجوم، والفضائح، باحثاً عن السعادة والحب في مجتمع يبدو براقاً من الخارج ولكنه ميت من الداخل. الهيكل السردي للفيلم غير تقليدي؛ هو عبارة عن حلقات أو مواقف متتالية.
وبالطبع، لا يمكننا نسيان مشهد الممثلة “أنيتا إيكبرج” وهي تخوض في مياه نافورة تريفي بفستانها الأسود، تدعو البطل للانضمام إليها. إنه فيلم عن الفراغ الروحي في العصر الحديث، ورغم عنوانه “الحياة الحلوة”، إلا أنه يترك في حلقك مرارة التساؤل: “هل هذا كل شيء؟”.
5. فيلم Rome, Open City (1945)

هذا الفيلم ليس مجرد عمل فني، بل هو وثيقة تاريخية. تم تصوير Rome, Open City (روما، مدينة مفتوحة) للمخرج “روبيرتو روسيليني” بينما كانت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، وفي شوارع لا تزال تحمل آثار الدمار الحقيقي.
الفيلم يروي قصصاً متقاطعة عن المقاومة الإيطالية ضد الاحتلال النازي. ما يجعله فريداً هو خشونته وصدقه؛ الممثلون يرتدون ملابسهم الخاصة، والإضاءة طبيعية لأن الكهرباء كانت مقطوعة في الاستوديوهات!
الأداء الأسطوري للمثلة آنا مانياني في مشهد ركضها خلف الشاحنة التي تحمل خطيبها، وسقوطها برصاص الجنود، هو مشهد محفور في ذاكرة كل عاشق للسينما. إذا أردت أن تعرف كيف ولدت الواقعية الإيطالية، فهذا هو منبعها.
4. فيلم L’Avventura (1960)

في مهرجان “كان” السينمائي عام 1960، استهجن الجمهور هذا الفيلم، لكنه فاز لاحقاً بجائزة لجنة التحكيم وأصبح من أعظم الأفلام في التاريخ. L’Avventura (المغامرة) للمخرج “مايكل أنجلو أنطونيوني” هو فيلم يتحدى توقعاتك.
تبدأ القصة برحلة بحرية لمجموعة من الأثرياء، وفجأة تختفي إحدى الفتيات (آنا) على جزيرة بركانية مهجورة. يبحث الجميع عنها، ولكن بمرور الوقت… يتوقفون عن الاهتمام! يبدأ خطيبها وصديقتها في علاقة عاطفية، ويتلاشى لغز الاختفاء ليحل محله شعور بالملل، الاغتراب، وعدم القدرة على التواصل.
أنطونيوني يستخدم المناظر الطبيعية والصمت ليعبر عن الفراغ الداخلي للشخصيات. إنه فيلم يتطلب صبراً، لكنه يكافئك بعمق فكري وجمالي لا يضاهى.
3. فيلم Cinema Paradiso (1988)

قد يكون هذا الفيلم أحدث قليلاً من بقية القائمة، ولكنه كلاسيكية فورية وضرورية لأي قائمة أفلام إيطالية. Cinema Paradiso (سينما باراديزو) للمخرج “جوزيبي تورنتاتوري” هو الفيلم الذي سيجعلك تقع في حب الأفلام من جديد.
القصة تروي حياة “توتو”، طفل صغير في قرية صقلية ينمو حبه للسينما بفضل صداقته مع مشغل آلة العرض العجوز “ألفريدو”. نرى الحياة تمر، الحب الأول، السفر، والعودة. الموسيقى التصويرية التي ألفها إنيو موريكوني وابنه تكاد تنطق من جمالها؛ فهي وحدها قادرة على استدراج دموعك.
المشهد الختامي للفيلم، الذي يجمع قبلات مقتطعة من أفلام قديمة، هو أجمل تحية قُدمت للسينما في التاريخ. إنه فيلم دافئ، حنون، ويلمس القلب مباشرة.
2. فيلم Bicycle Thieves (1948)

في المركز الثاني، لدينا الفيلم الذي يُعرّف السينما الإيطالية للعالم. Bicycle Thieves (سارقو الدراجات) للمخرج “فيتوريو دي سيكا”. قصة بسيطة جداً لدرجة العبقرية: رجل فقير يجد عملاً يتطلب دراجة، وفي يومه الأول، تُسرق دراجته.
يقضي الرجل يوم الأحد بطوله يجوب شوارع روما مع ابنه الصغير باحثاً عن الدراجة، لأنها ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي وسيلته الوحيدة لإطعام عائلته. الفيلم يصور العلاقة بين الأب وابنه بشكل مؤثر جداً؛ كيف ينظر الطفل لأبيه كبطل، وكيف ينكسر الأب أمام قسوة الواقع.
النهاية ليست سعيدة بالمعنى التقليدي، لكنها حقيقية جداً. هذا الفيلم يعلمنا أن المأساة لا تحتاج لملوك وحروب، بل قد تكمن في فقدان دراجة.
1. فيلم 8½ (1963)

وصلنا إلى القمة. الفيلم الذي يعتبره النقاد والمخرجون “فيلم المخرجين”. 8½ للساحر “فيديريكو فيليني”. لماذا هذا العنوان الغريب؟ لأنه كان ترتيب الفيلم رقم 8 ونصف في مسيرة فيليني!
الفيلم يحكي قصة “جويدو”، مخرج سينمائي مشهور يعاني من “قفلة الكاتب” أو عجز إبداعي بينما يحاول تحضير فيلمه الجديد الضخم. يهرب جويدو إلى عالم من الأحلام، الذكريات، والخيالات، حيث تختلط النساء في حياته (زوجته، عشيقته، أمه) مع مخاوفه الفنية.
إنه فيلم سريالي، مضحك، محير، ومبهر بصرياً. فيليني هنا يفتح رأسه ويرينا الفوضى الخلاقة بداخله. مشهد النهاية، حيث يرقص الجميع في دائرة كبيرة، هو احتفال بالحياة بكل فوضويتها. إذا أردت أن تشاهد فيلماً يجعلك تشعر بأنك تحلم وأنت مستيقظ، فهذا هو خيارك الأول.
ختاماً.. ما هي خطوتك التالية؟
السينما الإيطالية القديمة ليست مجرد أرشيف بالأسود والأبيض؛ إنها مدرسة في المشاعر، في الجمال، وفي فهم النفس البشرية. هذه الأفلام العشرة هي بوابتك لعالم واسع من السحر الذي يفتقده الكثير من إنتاج اليوم.
الآن، دورك أنت: أي من هذه الأفلام لامس فضولك أكثر؟ هل ستبدأ بالرعب اللوني في Suspiria أم ستغرق في رومانسية وحنين Cinema Paradiso؟
نصيحتي لك: اختر واحداً لهذه الليلة، أطفئ الأنوار، واترك سحر إيطاليا يملأ غرفتك. مشاهدة ممتعة!




