السينما التونسية ليست مجرد شريط من الصور المتحركة؛ إنها رائحة الياسمين الممزوجة بغبار الشوارع، هي صرخة المظلومين في الأزقة الضيقة، وهي الضحكات العالية في الحمامات الشعبية.
على مر العقود، استطاع المخرجون التونسيون أن يحجزوا لأنفسهم مقعدًا دائمًا في كبرى المهرجانات العالمية، من “كان” إلى “برلين” وصولًا إلى “الأوسكار”.
ما يميز هذه القائمة هو التنوع؛ ستجد هنا الرعب، والدراما الاجتماعية الحارقة، والكوميديا السوداء، والسياسة. جهز الفشار، واضبط الإضاءة، ودعنا نستعرض تنازليًا أفضل 10 أفلام تونسية يجب عليك مشاهدتها ولو مرة واحدة في العمر.
10. فيلم دشرة (Dachra)

نبدأ قائمتنا بفيلم كسر كل التوقعات وغير قواعد اللعبة في شباك التذاكر التونسي. عندما نتحدث عن الرعب في العالم العربي، غالبًا ما نشعر بخيبة أمل، لكن المخرج “عبد الحميد بوشناق” قدم لنا تجربة تحبس الأنفاس.
تدور القصة حول طالبة صحافة تحاول حل لغز جريمة غامضة تتعلق بالسحر والشعوذة وأكل لحوم البشر في قرية نائية ومعزولة. ما يجعل دشرة مميزًا ليس فقط “الخضات” أو الرعب التقليدي، بل الجو العام المريب (Atmosphere) الذي يخلقه الفيلم. الصورة قاتمة، والألوان باردة، والشعور بالخطر يحيط بك من كل جانب. إنه فيلم يثبت أن السينما التونسية قادرة على المنافسة في الأنواع التجارية (Genre Films) بنفس جودة أفلام المهرجانات.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية خالدة لا يجب أن تفوّتها
9. فيلم زهرة حلب (The Flower of Aleppo)

لا يمكننا الحديث عن السينما التونسية دون ذكر النجمة “هند صبري”. في هذا العمل للمخرج المخضرم “رضا الباهي”، نغوص في مأساة معاصرة لمست آلاف العائلات.
يحكي الفيلم قصة “سلمى”، الأم التي تقرر السفر إلى سوريا في رحلة محفوفة بالمخاطر للبحث عن ابنها الذي تم تجنيده من قبل الجماعات المتطرفة. الفيلم لا يناقش السياسة بقدر ما يناقش وجع الأمومة وتمزق الهوية. الأداء التمثيلي هنا هو العنصر الأقوى؛ ستشعر بقلبك ينقبض مع كل دمعة تذرفها البطلة. إنه فيلم إنساني بامتياز يسلط الضوء على الوجه الآخر المظلم لـ “الربيع العربي” وتأثيراته على الشباب.
8. فيلم باستاردو (Bastardo)

إذا كنت تبحث عن شيء غريب، مختلف، ويحمل بصمة بصرية فريدة، فهذا الفيلم للمخرج “نجيب بلقاضي” هو ضالتك. باستاردو ليس فيلمًا واقعيًا بحتًا، بل يميل إلى الواقعية السحرية والكوميديا السوداء.
القصة تدور حول “محسن”، لقيط يعيش منبوذًا في حي فقير، تتغير حياته تمامًا عندما يقوم بتركيب برج لشبكة الهواتف المحمولة فوق سطح منزله، مما يمنحه سلطة ونفوذًا في الحي. الفيلم عبارة عن دراسة ممتعة للسلطة، وكيف يمكن للمهمش أن يتحول إلى طاغية صغير. الإخراج الفني والديكورات في هذا الفيلم تجعله لوحة فنية مميزة تختلف عن السائد في السينما التونسية التقليدية.
نرشح: أفضل 10 أفلام عربية كوميدية لا تُفوت
7. فيلم نحبك هادي (Hedi)

هذا الفيلم كان بمثابة القنبلة الهادئة التي انفجرت في مهرجان برلين السينمائي، حيث حصد جائزة أفضل عمل أول وجائزة الدب الفضي لأفضل ممثل لـ “مجد مستورة”.
للمخرج “محمد بن عطية”، يحكي الفيلم قصة شاب يدعى “هادي”، يعيش حياة مرسومة بدقة من قبل والدته المتسلطة ومجتمعه المحافظ. كل شيء يتغير قبل زفافه بأيام قليلة عندما يلتقي بامرأة متحررة تغير نظرته للحياة. جمال نحبك هادي يكمن في بساطته؛ لا يوجد صراخ ولا انفعالات مبالغ فيها، بل نظرات صامتة ولحظات من التردد تعكس بدقة حالة الشباب التونسي الممزق بين التقاليد والرغبة في الحرية.
6. فيلم نورا تحلم (Noura’s Dream)

نعود مرة أخرى للتألق مع “هند صبري” والمخرجة “هند بوجمعة”. هذا الفيلم جريء جدًا في طرحه لقضية قانونية واجتماعية شائكة.
“نورا” امرأة كادحة تحلم بالطلاق من زوجها المسجون ذي السوابق الإجرامية لتبدأ حياة جديدة مع حبيبها. لكن الأمور تتعقد عندما يخرج الزوج بعفو رئاسي غير متوقع. الفيلم يضعك في حالة توتر دائم؛ ستشعر وكأنك محاصر مع نورا في دوامة من الأكاذيب والخوف. السيناريو مكتوب بذكاء شديد، يجعلك تتعاطف مع شخصيات قد تبدو “خاطئة” بمعايير المجتمع، لكنها إنسانية جدًا في سعيها وراء السعادة.
نرشح: أفضل 10 أفلام مغربية على الإطلاق
5. فيلم بيك نعيش (A Son)

فيلم آخر حديث أحدث ضجة كبيرة، للمخرج “مهدي البرصاوي”. تدور أحداث الفيلم في عام 2011، حول عائلة تونسية عصرية تتعرض لكمين إرهابي أثناء رحلة في الجنوب، مما يؤدي لإصابة طفلهم إصابة خطيرة تستدعي زراعة كبد.
هنا تبدأ المفاجآت، حيث تكشف التحاليل الطبية سرًا عائليًا قديمًا يقلب حياة الأب والأم رأسًا على عقب. بيك نعيش يطرح أسئلة أخلاقية صعبة جدًا عن الأبوة، الخيانة، والتسامح، كل ذلك وسط خلفية سياسية مضطربة. الإيقاع سريع ومشدود، والأداء التمثيلي لـ “سامي بوعجيلة” كان استثنائيًا واستحق عنه جائزة “السيزار” الفرنسية.
4. فيلم الرجل الذي باع ظهره (The Man Who Sold His Skin)

وصلنا إلى الفيلم الذي جعل تونس تقف على أبواب الأوسكار كمرشح للقائمة النهائية. المخرجة المبدعة “كوثر بن هنية” قدمت لنا فكرة تبدو خيالية لكنها مستوحاة من الواقع.
لاجئ سوري يوافق على أن يتحول ظهره إلى لوحة فنية لرسام عالمي مشهور مقابل الحصول على تأشيرة للسفر إلى أوروبا واللحاق بحبيبته. الفيلم يطرح تساؤلات فلسفية عميقة: ما هي قيمة الإنسان؟ وهل أصبحنا سلعًا في عالم الرأسمالية؟ الفيلم يتميز بجماليات بصرية مذهلة، وموسيقى تصويرية ساحرة، ونقد لاذع لعالم الفن المعاصر ومعاناة اللاجئين بأسلوب ساخر ومؤلم في آن واحد.
نرشح: أفضل 10 أفلام جزائرية على الإطلاق
3. فيلم السفراء (The Ambassadors)

لنعد بالزمن قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 1975، مع المخرج “الناصر القطاري”. هذا الفيلم يعتبر من كلاسيكيات السينما العربية وليست التونسية فقط.
يناقش الفيلم حياة المهاجرين العرب في حي “كوت دور” بباريس، وكيف يواجهون العنصرية الفرنسية من جهة، وصعوبة الاندماج والبحث عن لقمة العيش من جهة أخرى. رغم مرور عقود على إنتاجه، لا يزال السفراء طازجًا وواقعيًا بشكل مخيف، وكأن التاريخ يعيد نفسه. إنه وثيقة سينمائية هامة ترصد معاناة “الجيل الأول” من المهاجرين بأسلوب واقعي بعيد عن الميلودراما.
2. فيلم عصفور سطح (Halfaouine)

لا يمكن أن توجد قائمة لأفلام تونسية دون ذكر رائعة “فريد بوغدير”. هذا الفيلم هو “أيقونة” تونسية بامتياز، شاهده جيل كامل وحفظ مشاهده عن ظهر قلب.
الفيلم يأخذنا إلى حي “الحلفاوين” الشعبي بعيون الطفل “نورا” الذي يعيش مرحلة المراهقة واكتشاف الجسد والعلاقات بين الرجال والنساء. يتنقل بنا الفيلم بين عالم النساء “المحرم” في الحمامات والبيوت، وعالم الرجال في الشوارع والمقاهي. عصفور سطح يتميز بخفة ظل لا توصف، وجمالية في تصوير التفاصيل التونسية البسيطة. إنه فيلم يحتفي بالحياة، بالجسد، وبالذاكرة الشعبية التونسية.
نرشح: أفضل 10 أفلام مصرية على الإطلاق
1. فيلم صمت القصور (The Silences of the Palace)

في المركز الأول، تتربع الجوهرة التي لا تقدر بثمن. فيلم المخرجة الراحلة “مفيدة التلاتي”، الذي يعتبره الكثير من النقاد أفضل فيلم في تاريخ السينما التونسية وواحدًا من أهم 100 فيلم عربي.
الفيلم يعود بنا إلى فترة الخمسينيات، داخل قصور “البايات” (حكام تونس)، ليروي قصة “عالية”، ابنة الخادمة التي نشأت في عالم الصمت والقهر، حيث النساء مجرد أدوات للمتعة والخدمة. صمت القصور ليس مجرد فيلم، بل هو قصيدة بصرية حزينة عن تحرر المرأة وتحرر الوطن من الاستعمار. الأداء الأسطوري للفنانة “هند صبري” في أول أدوارها، والموسيقى، والإخراج الحساس، كلها عناصر جعلت من هذا العمل تحفة خالدة لا تموت.
نرشح: 10 أفلام مصرية ممنوعة من العرض
السينما التونسية، كما رأينا في هذه القائمة، لا تخشى الخوض في المحظور. إنها سينما شجاعة، واعية، ومليئة بالشغف. سواء كنت تحب الدراما العميقة أو القصص الاجتماعية البسيطة، ستجد في هذه الأفلام مرآة تعكس واقعًا إنسانيًا يلمسنا جميعًا.
والآن دورك، هل شاهدت أيًا من هذه الأفلام؟ وما هو الفيلم التونسي الذي تعتقد أنه يستحق التواجد في هذه القائمة وسقط سهوًا؟
أخبرني، هل تريد مني أن أرشح لك منصات قانونية لمشاهدة هذه الأعمال بجودة عالية؟




