5 أفلام لبنانية قديمة أيقونية يجب أن تشاهدها الآن

هل شعرت يوماً بالرغبة في الهروب من صخب الحاضر والغوص في عالم أكثر بساطة ورومانسية؟ إذا كان جوابك “نعم”، فاسمح لي أن آخذك في رحلة. لكنها ليست رحلة عادية، إنها رحلة عبر الزمن إلى الوراء، إلى العصر الذي كانت فيه بيروت تُعرف بـ “باريس الشرق”، وإلى الزمن الذي كانت فيه السينما اللبنانية تضع بصمتها الأولى المليئة بالإبداع والشغف.

نحن لا نتحدث هنا عن المؤثرات البصرية الخارقة أو الإنتاجات الضخمة، بل نتحدث عن شيء أعمق… نتحدث عن “الروح”. السينما اللبنانية القديمة، خاصة في حقبتي الخمسينيات والستينيات، كانت مرآة حقيقية لثقافة غنية ومجتمع نابض بالحياة. كانت أفلاماً تُصنع بالحب، وتعتمد على قصص تلامس القلب وموسيقى تخلد في الذاكرة.

في هذا المقال، قررت أن أبتعد عن الأفلام الحديثة (رغم روعتها) وأغوص في الأرشيف لأقدم لك 5 أفلام لبنانية قديمة أعتبرها “أيقونية” بكل معنى الكلمة. هذه الأفلام ليست مجرد تسلية، بل هي دروس في التاريخ، والفن، والحب. هل أنت مستعد لاكتشاف هذه الكنوز؟


5. فيلم “إلى أين؟” (1958)

أفلام لبنانية قديمة

لنبدأ من البداية الحقيقية، من النقطة التي وضعت لبنان على الخريطة السينمائية العالمية. فيلم “إلى أين؟” للمخرج جورج نصر ليس مجرد فيلم، بل هو وثيقة تاريخية. هل تصدق أن هذا الفيلم كان أول فيلم لبناني يُعرض رسمياً في مهرجان كان السينمائي؟ نعم، في عام 1958!

الفيلم، الذي تم تصويره بالأبيض والأسود، يغوص في قضية لا تزال تؤرق اللبنانيين حتى يومنا هذا: الهجرة. إنه يروي قصة عائلة فقيرة من قرية لبنانية جبلية، والأب الذي يحلم بالهجرة إلى البرازيل بحثاً عن حياة أفضل، تاركاً خلفه كل شيء.

ما يجعل هذا الفيلم أيقونياً هو واقعيته الشديدة. لم يحاول جورج نصر تجميل الفقر أو تلميع الواقع، بل قدم قصة إنسانية مؤثرة بصدق مؤلم. إنه فيلم يجعلك تتساءل عن معنى الوطن والجذور. إذا كنت تريد أن تفهم البدايات الجادة والمبكرة للسينما اللبنانية، “إلى أين؟” هو نقطة انطلاقك.


4. فيلم “الأجنحة المتكسرة” (1962)

أفلام لبنانية قديمة

ماذا يحدث عندما تجتمع عبقرية الأدب اللبناني مع شغف السينما؟ النتيجة هي فيلم “الأجنحة المتكسرة”. هذا الفيلم هو اقتباس جريء ومبكر لواحدة من أشهر وأجمل قصص الكاتب والفيلسوف العالمي جبران خليل جبران.

تخيل معي صعوبة تحويل كلمات جبران الشاعرية والفلسفية العميقة إلى صور ومشاهد! لكن المخرج يوسف معلوف نجح في تقديم رؤية بصرية مؤثرة لقصة الحب المأساوية بين “جبران” (أو الشاب الذي يمثله) و”سلمى كرامي”.

الفيلم، الذي تم تصويره أيضاً بالأبيض والأسود، يتميز بجماليات بصرية كلاسيكية وحوارات تحتفظ بروح النص الأصلي. مشاهدته اليوم تشبه قراءة قصيدة قديمة؛ قد تبدو الإيقاعات مختلفة عما اعتدنا عليه، لكن المشاعر التي تثيرها قوية وخالدة. إنه جسر بين الأدب والسينما، وشهادة على طموح صناع الأفلام اللبنانيين الأوائل.


3. فيلم “بياع الخواتم” (1965)

أفلام لبنانية قديمة

الآن، ندخل إلى عالم مختلف تماماً… عالم الألوان والموسيقى والخيال. عندما نتحدث عن أفلام لبنانية أيقونية، لا يمكننا تجاوز الثالوث الذهبي: فيروز، والأخوين رحباني (عاصي ومنصور). فيلم “بياع الخواتم” هو أول فيلم سينمائي لهم، وهو مقتبس عن مسرحيتهم الغنائية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم.

القصة تدور في قرية لبنانية بسيطة، حيث يخترع “المختار” شخصية وهمية شريرة اسمها “راجح” (بياع الخواتم) ليخيف بها أهل القرية ويسيطر عليهم. لكن الأمور تتعقد عندما يظهر “راجح” الحقيقي في القرية.

هذا الفيلم هو انفجار من الألوان والموسيقى. إنه يجسد “الحلم اللبناني” الذي خلقه الرحبانية: القرية المثالية، الأغاني التي لا تُنسى (مثل “يا بياع الخواتم” و “عالعالي الدار”)، وبالطبع، الصوت الملائكي لفيروز. إنه ليس فيلماً واقعياً، بل هو لوحة فنية ساحرة، وكبسولة من الفرح الخالص الذي عرف به لبنان.


2. فيلم “سفر برلك” (1967)

أفلام لبنانية قديمة

إذا كان “بياع الخواتم” هو الحلم، فإن “سفر برلك” هو الذاكرة. هذا الفيلم يمثل نقلة نوعية في أعمال الرحبانية وفيروز. إنه يأخذنا إلى فترة تاريخية مظلمة ومؤلمة: فترة “سفر برلك” (التجنيد الإجباري) خلال الحكم العثماني في الحرب العالمية الأولى.

الفيلم يوازن ببراعة بين القصة الملحمية والمأساة الإنسانية والأغاني الخالدة. نرى فيه القمع العثماني، والمجاعة التي ضربت جبل لبنان، ومقاومة الأهالي. فيروز هنا ليست مجرد مغنية، بل هي رمز للصمود والأرض.

“سفر برلك” هو فيلم ضخم بإنتاجه (بمقاييس تلك الفترة)، ويضم كوكبة من عمالقة الفن اللبناني إلى جانب فيروز، مثل نصري شمس الدين، وإيلي شويري. أغاني مثل “علموني” و “يا طير” ليست مجرد أغاني، بل هي جزء لا يتجزأ من نسيج القصة الدرامي. إنه فيلم وطني، تاريخي، وموسيقي في آن واحد، وهو تحفة فنية بكل المقاييس.


1. فيلم “بنت الحارس” (1968)

أفلام لبنانية قديمة

على قمة قائمتنا، أضع هذا الفيلم كأكثر الأفلام الأيقونية “الخفيفة” والمحبوبة. “بنت الحارس” هو الكوميديا الرومانسية المثالية على الطريقة اللبنانية. إنه الفيلم الذي يمكنك مشاهدته مراراً وتكراراً دون ملل.

تلعب فيروز دور “نُصرى”، الفتاة المشاغبة والمرحة التي تعمل في محطة قطار مع والدها الحارس. القصة مليئة بالمقالب الطريفة، وسوء الفهم، وبالطبع، قصة حب بسيطة وجميلة. الفيلم يقدم لنا جانباً آخر من فيروز: الكوميدي والخفيف.

لماذا هو أيقوني؟ لأنه يمثل البساطة الممتعة. الأغاني هنا أصبحت جزءاً من يومياتنا (مثل “طيري يا طيارة” و “قمرة يا قمرة”). الأجواء، والملابس، والحوارات البسيطة… كل شيء في هذا الفيلم يصرخ “لبنان الستينيات الجميل”. إنه الفيلم الذي يجعلك تبتسم، ويذكرك بأن الفن يمكن أن يكون بسيطاً وعميقاً في نفس الوقت.


لماذا مشاهدة هذه الأفلام اليوم أهم من أي وقت مضى؟

في عالمنا السريع والمتغير، قد يبدو مشاهدة فيلم بالأبيض والأسود من الخمسينيات أو فيلم موسيقي من الستينيات أمراً قديماً. لكن صدقني، هذه الأفلام هي أكثر من مجرد ترفيه. إنها “كبسولة زمنية”.

عندما تشاهد “إلى أين؟”، أنت تلمس هماً لبنانياً أزلياً. وعندما تشاهد “سفر برلك”، أنت تتصل بذاكرة أجدادك. وعندما تبتسم مع “بنت الحارس”، أنت تستحضر روح لبنان المنفتح والمحب للحياة. هذه الأفلام هي جذورنا، وهي التي تذكرنا بمن كنا، وكيف وصلنا إلى هنا.

لذا، في عطلة نهاية الأسبوع القادمة، بدلاً من البحث عن أحدث إصدارات هوليوود، جرب أن تشاهد واحداً من هذه الكنوز الخمسة. أعدك بأنها ستكون تجربة مختلفة، وستكتشف جانباً من الإبداع اللبناني الذي يستحق أن يُحتفى به دائماً.